أسوان...الشلال x الخزان !

 أسوان...الشلال x الخزان !


نقلا عن ا.د. عاطف معتمد

وصلت أمس إلى "محطة الشلال" بعد انتشار أخبار جرف السيول للمقابر وتداول صورها على وسائل التواصل الاجتماعي وفي الصحف المصرية. 


لا يمكنك أن تبلغ هذا المكان بسهولة ومن دون خبرة ميدانية ولا قراءة سليمة للخرائط، فمسمى "حي الشلال" في جنوب أسوان صار مربكا للغاية، وإذا حاولت أن تستعن بالثورة الرقمية التي توفرها خرائط جوجل على هاتفك المحمول ستجد اختلافات راديكالية مقارنة بالخرائط التقليدية التي رسمها الإنجليز في أربعينيات القرن العشرين .


أول تغير في المنطقة كان تبديل الاسم الذي عاشت فيه القرى والنجوع بهذه المنطقة الواقعة في جنوب مدينة أسوان خلف قباب الجرانيت الفريدة. 

فالنجع الذي وقعت فيه حوادث جرف السيول يسمى اليوم "نجع جبل شيشة" وهو اسم غير مسجل على الخرائط الإنجليزية قبل 80 سنة.


لماذا نعود إلى خرائط عام 1940 ونحن ندرس حدثا طازجا في عام 2021؟


أول الأسباب أن أسوان اليوم صارت عملاقا عمرانيا مقارنة بأسوان القديمة. البناء يمتد إلى كل مكان، محاور طرق علوية عرضية وطولية تحيط بالمدينة. حينما أرى هذه التغيرات عاما بعد عام تنتابني مشاعر جد متناقضة، يصارع كل منها الأخرى.


من ناحية ينتابني حبور لأن مد الطرق والعمران يعني تطورا ونموا وتنمية وفرص للعمل واندماج لإقليم مصري فريد مع بقية أقاليم البلاد.


ومن ناحية أخرى أضع يدي على قلبي وأنا أرى هذا القدر الهائل من التعديات على مجرى نهر النيل وعلى خصائص مياهه وعلى جزره وضفافه.


النيل هنا في أسوان هو "نبع المياه" وفق المفهوم المصري للكون.

قبل عقود قليلة وقبل أن نفيق على قرع طبول الحرب بحبس المياه في سد النهضة في إثيوبيا كنا نظن ان النيل ظاهرة مصرية حصرية.

كان كثيرون منا – سيرا على هدى قدماء المصريين منذ عدة آلاف من السنين – يعتقدون أن النيل ينبع من أسوان، ومن ثم أقاموا هنا معابد التضرع إلى آلهة النيل.


 أقول إنني أضع يدي على قلبي وانا أرى نيل أسوان في خطر لأننا هنا نسمم "ينبوع المياه" في حدوده الداخلية. 


تخيل أن سكان كفر الشيخ يعانون مثلا من ضعف المياه الواصلة ومن تلوثها وشحها لأنهم  في آخر رحلة النهر  بعد أكثر من ألف كم قطعها النهر من أسوان إلى البحر المتوسط وقد ألقى في مياهه "كل من هب ودب" بملوثات وأخطار تفسده كما وكيفا وتضيف إلى مكوناته كل السموم الناقعات الناجمة عن عشوائية النمو الحضري والتوسع الريفي من غير علم ولا هدى ولا كتاب منير.


النمو العمراني في أسوان مثله مثل أي نمو في مصر المحروسة: قليل منه مخطط مرتب وكثير منه عشوائي على غير نظام ولا خطة. هنا في محطة الشلال لم تكتف أيدي "اللانظام" بالحياة الدنيا بل طالت المدافن وعالم ما بعد الموت حين دفنت الراحلين عن دنيانا في قعر  بطن الوادي.


لماذا لا يخشى الناس الوادي؟ 

من سيوقظ هذا النائم من خموله وغفوته بينما كل شيء من حولنا راكد ساكن بلا حراك. 


يخبرني العم "محمدآب" أن المقبرة أقيمت في الأساس فوق الوادي وبعيدا عن بطنه الرخوة وقعر مجراه، لكن مع زيادة السكان (وزيادة الموتى) توسعت المقبرة وألقت بنفسها في بطن الوادي.


الوادي هنا لا يعرفه أحد، بل إن تسعة أعشار علماء الجغرافيا والجيولوجيا في مصر لا يعرفونه.


لا عجب في ذلك، فوادي "أم بويرات" كان مشهورا قبل عام 1902. 


في ذلك العام شيد النظام الملكي بتكنولوجيا الاحتلال الإنجليزي سد أسوان.


لم يكن أحد يستخدم مصطلح "سد" آنذاك بل كان المسمى هو "خزان" أسوان. 


تسمية "الخزان" بليغة معبرة وصحيحة. تم إنشاء سد أمام النيل في محاكاة للفكرة الطبيعية التي تمثلها جزر أسوان الجرانيتية التي تقف "سدا" أمام النهر على نحو ما أوضحنا في مقال أمس الذي يحمل عنوان "الشلال في الشلال"


كان هدف السد أن يحجز ويختزن المياه ويمررها  شمالا بحساب وبطء كي لا تضيع في البحر دون استخدام أمثل.

تم تعلية السد مرتين: 1912 و 1933.


حين تجولت بصحبة العم محمدآب في منطقة الشلال بحثا عن منطقة المقابر التي جرفتها السيول في وادي "أم بويرات" أشار لي الرجل الكريم إلى موقع المكان في "مخر السيل".


"مخر السيل" مصطلح معبر جدا عن حالة التناقض التي عاشها التخطيطي العمراني في مصر  خلال العقود الماضية. 


جرب أن تذهب إلى رأس غارب على خليج السويس، أو إلى القصير على  البحر الأحمر، أو إلى الصف وأطفيح في وادي النيل ستجد هناك دوما مخرا للسيل بمعنى حفر قناة اصطناعية أو توسعة القناة النهرية الجافة كي تحتوي السيول وتذهب بها بعيدا عن مناطق العمران وتلقي بها في البحر أو النيل.


التناقض الذي نعيشه هو أن النمو العمراني العشوائي (المخطط وغير المخطط على حد سواء) بدلا من أن يكلف نفسه مشقة الصعود إلى الأماكن المرتفعة إذ به "يستسهل" ويبني في مخر السيل وبطن الوادي استنادا إلى أن الوادي نائم ولن يصحو من غفوته الطويلة. وستدهش أن بعض الأحياء السكنية التي تبنى حاليا في الصعيد في عام 2021 (ومنها في قنا على سبيل المثال) اختارت مخرات السيول وبطون الأودية مقصدا وهدفا للنمو العمراني !


حين وقعت عواصف أسوان الممطرة قبل أربعة أيام استفادت الأمطار من "وادي أم بويرات" وصبت فيه مياهها الغزيرة ودفعت فيه بحطام صخور القباب الجرانيتية وجرفتها معها واكتسحت المقابر ومن ثم خلطت عظام الموتى قبل أن يشترك العم محمدآب وبقية المتطوعين في المكان ويعيدوا دفن الموتى في مدفن جماعي.


قبل ان أغار قافلا إلى غرب سهيل أراد العم محمدآب أن يكرم ضيافتي فطلب من زوجته (التي سمعت صوتها فقط من خلف الأبواب) أن تعد لنا الشاي الأسواني حلو المذاق.

استلم الرجل أقداح الشاي وصعدنا بها إلى سطح بيته وأشار بيده إلى مجرى النهر وإلى جسم الخزان وقال لي: 


ماذا تقول الخرائط التي بين يديك عن هذه المنطقة؟


نظرت إلى الخريطة بتمعن مقصود، مبديا اهتماما مدرسيا بالسؤال،  وتمهلت قليلا وقلت له:


تقول الخريطة التي رسسمها الإنجليز في عام 1940 إن بيتك هذا كان يطل على مرسى مراكب "البوستة السودانية".


تهلل الرجل وكشف عن أسنان منظمة كقطع الثلج واعتدل في جلسته وقال لي "ما شاء الله عليك" !

وهل تقول الخريطة إنه كانت هناك في المياه شمندورة للمراكب.

قلت له : الحقيقة إن الشمندورة ليست واحدة بل ثلاث،

وذلك لأن الخريطة....

*****



author-img
كوكب المنى

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent