النسوية في جغرافية النوبة

النسوية في جغرافية النوبة


نقلا عن ا.د. عاطف معتمد

منذ نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين تحملت المرأة النوبية مسؤوليات شتى. الإقليم الذي تمثله بحيرة ناصر الآن كان قبل 120 سنة نهرا ضيقا سريعا محدودا في أرضه الطينية. لم يكن السهل الفيضي يوفر لأهلنا في النوبة سوى القليل من متطلبات الحياة المحاصرة بمنتجات التمور وبعض المحاصيل القليلة. أما صيد السمك فكان محليا ولا يدخل في دائرة التجارة الإقليمية والدولية. وزاد الأمر صعوبة أن بعض سكان النوبة لا يأكلون السمك لأسباب متباينة: إما موروثة من معتقدات سابقة أو لملل شديد تراكم عبر العصور من تناوله صباح مساء. 

ومع ذلك كانت النوبة لأهلها "جنة الله في الأرض" و"أرض الذهب" و "الفردوس الجنوبي". 


من المدهش أن كل تقاليد "مساواة المرأة بالرجل" و"تمكين المرأة" و"مشاركة المرأة للرجل في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية" كانت ذات نسخة خاصة جدا في إقليم النوبة.

المرأة هنا أصلا ذات شخصية قوية دون افتعال، تحملت وشاركت وتعرضت لمختلف المشاق، بعض المصاعب والتحديات والآلام جاء بسبب البنية الداخلية لمجتمع إفريقي شرقي وبعضه بسبب الظروف التي تعرض لها سكان إقليم النوبة جراء التغيرات الهيدرولوجية والسياسية والاقتصادية منذ عام 1900 وإلى اليوم. 


إذا ربطنا الجغرافيا بالمشاركة النسوية في حياة النوبة فسنجد أن الظروف البيئية وعدم تلقي الإقليم عناية كافية منذ العهد الملكي دفع بالرجال إلى الهجرة إلى القاهرة والإسكندرية والحواضر الثرية.


سمحت الخصال الشهيرة للرجل النوبي بالنجاح في مجتمعات الهجرة التي كانت تطلبه وحده دون زوج أو عيال، الشمائل التي اشتهر بها الرجل النوبي من النظافة والأدب وطيب الأخلاق وحلو الصوت ولين الكلام جعلته يعمر طويلا في المهجر، ومن ثم عمل كثيرون منهم في مهن شتى من الحياة الملكية والبرجوازية والأرستقراطية والخدمية في حواضر الشمال. 


جاء ذلك وبالا على المرأة النوبية التي بقيت وحدها في الإقليم تساهم في الزرع والقلع والحرث وإدارة الحياة اليومية وتربية العيال. كما تحملت ما هو أسوأ متجسدا في عوز عاطفي واجتماعي في مجتمع أبوي ذكوري بحكم تكوينه.

 

لم تكن التغيرات الراديكالية التي تعرضت لها المرأة النوبية قد وقعت مرة واحدة، بل يمكنني تتبع مشاهدها في ثلاث مراحل:

- من العصر الملكي وحتى تأسيس خزان أسوان في عام 1902 وهنا هاجر الرجال إلى الشمال وحدهم وكانت عودتهم في فترات متباعدة لبعد وسائل المواصلات وابتلاع المدينة 

- من 1902 وحتى التعلية الأولى للخزان في 1912 والتعلية الثانية في 1933 وما ترتب على ذلك من نزوح موضعي أو إقليمي وتغيرات بيئية واقتصادية كبيرة، كما شمل ذلك – وإن على نطاق محدود - ترك الأرض والتحرك إلى شمال النوبة في أسوان أو بعض مدن الصعيد الأعلى. 

- مشروع السد العالي وبحيرة ناصر منذ عام 1964 وما تلى ذلك من هجرة جماعية كلية إلى إقليم كوم أمبو  فيما بين إدفو شمالا وأسوان جنوبا.


ما نعرفه اليوم عن حياة المرأة النوبية قليل للغاية وتبدو فيه المرأة النوبية حاضرة في ثلاث صور:


- الصورة الأسطورية منذ آلاف السنين عن الملكة النوبية "كنداكا"، ووصف كنداكا هو وصف محبب لكل فتاة وامرأة نوبية لأنه يعني أنها ملكة على الأرض والناس والمال والعيال وقيادة الرجال لحماية الحدود. ولعلنا نذكر هنا أن نجيب محفوظ في روايته "كفاح طيبة" قد استلهم هذه الروح من إرجاع النصر والتماسك في الجيش المصري للمرأة في القصر الملكي التي كانت مصدر الحكمة والقرار الصائب. ولا ننسى أن محفوظ تبنى الأراء الأثرية التي تجعل النوبة في شمال السودان وجنوب مصر هي الحصن والملجأ الذي لجأ إليه الجيش المصري ليعيد ترتيب أوضاعه ويلتقط أنفاسه ويجهز نفسه مجددا للزحف على طيبة (الأقصر) ويطرد الهكسوس. 


- المصدر الثاني هو الصورة الروائية التي كتبها نوبيون عن أنفسهم وصوروا فيها المرأة بداية من عام 1900 وخاصة مع الرواية الملحمية "الشمندورة" والتي تضم صورا بالغة التفرد عن حياة المرأة قبل أي تغيير بيئي منذ خزان أسوان عام 1902.


- الصورة الحديثة التي نعيشها ونراها بأعيننا اليوم عن المرأة النوبية سواء في أحياء أهلنا النوبيين في القاهرة والإسكندرية أو في مجتمع قرى التهجير كما في كوم أمبو . 


لن أكون مبالغا إن قلت إنه في المصادر الثلاثة التي نعود إليها تبدو المرأة النوبية مثالا في الجمال والصلابة والتحمل والمعاناة والنجاح والأمل والألم. ولن أكون مبالغا إذا قلت إننا نحصل هنا على تطبيق عملي واضح لتلك النظريات التي جاءتنا من المدارس الأجنبية عن موضوعات جغرافية لا نعرفها حق المعرفة ولا نقدم فيها إسهاما عربيا ملموسا، وفي مقدمتها "النسوية الجغرافية".

*****

أخذتُ الصورة المرفقة الأسبوع الماضي للسيدة الكريمة "فاطمة" من إحدى قرى النوبة في كوم أمبو، وسألتها إن كانت توافق على نشرها على صفحتي فرحبت واستعجلتني في إنهاء التصوير كي تلحق بإعداد الطعام لأن الرفيقات ينتظرن أن تجلب لهن "الدوكة" التي تحملها هنا على رأسها.


author-img
كوكب المنى

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent