أسوان..خجل كان يمكن تجنبه !

 أسوان..خجل كان يمكن تجنبه !


نقلا عن ا.د. عاطف معتمد

وصلت أسوان قبل أربعة أيام ضمن فريق عمل من 7 زملاء لتوثيق بعض جوانب التراث الوطني المصري في إقليم النوبة، المشروع الذي أشارك  فيه هو عمل موسوعي رائد يشرف عليه المركز القومي للبحوث وأكاديمية البحث العلمي. 


اختار فريق العمل مناطق ممثلة من النوبة لجمع بيانات الكتاب الموسوعي. بدأنا بجزيرة هيسا الواقعة فيما بين خزان أسوان والسد العالي مرورا بمعبد فيلي، وانتقلنا منها إلى غرب سهيل، ثم أمضينا يومين متتابعين في سهل كوم أمبو ، وهو الإقليم الذي استقبل تهجير أهلنا النوبيين بسبب إنشاء بحيرة السد العالي وتشييد سد أسوان وغرق بلادهم.


لا أحب أسوان وأهلها فحسب بل أتردد عليها بشكل منتظم لشحن طاقة الروح وتغذية رصيد العقل، في كل مرة أقول لنفسي إن أهلنا في النوبة ضحوا من أجلنا مرتين:


- مرة حين قبلوا ترك أرضهم فداء لمشروع قومي قدم النفع لعموم المصريين في ستينيات القرن العشرين، وما يزال.


- ومرة حين جاهدوا منذ ما يقرب من 60 عاما في الاحتفاظ بهويتهم في مجتمع التهجير كي لا يطوبهم الزمن وتبتلعهم الحداثة.


ليلة أمس وبينما عدنا للتو من جمع البيانات من قرى النوبة في كوم أمبو هبت على أسوان عاصفة رعدية أجمع أهل البلاد أنهم لم يروا مثلها منذ زمن بعيد.


بدأت العاصفة بموجات متتابعة من البرق الباهر في سماء محملة بالغيوم ثم أتبعها رعد  شديد، وسرعان ما نشبت هجمة صاعقة من أمطار سيلية مصحوبة برياح عاصفة. وفي أقل من نصف ساعة كان الشجر يتساقط والنوافذ ترتطم والمطر الغزير يدخل البيوت. 


ولأنننا نسكن في مدينة أسوان في أحد الفنادق المؤلفة من 6 طوابق فقد أغلقنا نوافذنا وخلدنا بعد يوم عمل طويل إلى النوم داعين الله الستر والسلامة لأهلنا في أسوان.


وحين صحونا في اليوم التالي وجدنا المدينة شبه متوقفة تماما، برك المياه تعرقل حركة السير، الأشجار المنهارة تساهم في إرباك المرور، الناس عزفوا عن الخروج للعمل، ومن تجده في الشارع يصب سخطه على تقاعس المحافظة.


المشهد المتعثر في المدينة يؤكد لك أن إدارة المحافظة ليست مستعدة لمثل هذا النوع من الأحداث، وأنه لم يمر عليها يوما مفهوم "الاستعداد للأزمات وإدارتها" .


كل السائقين وأصحاب المحال التجارية والناس في الشارع يلومون إدارة المحافظة التي يبدو أن سمعتها ليست هي الأفضل في تاريخ هذا الإقليم الاستراتيجي من أرض مصر.


لو كنت تعيش في أسوان وترى هذه الأيام السائحات الفاتنات الرشيقات يتمتعن بسحر النيل ستندهش أنك الوحيد في العالم الذي لم يقرأ عن حالات الموتى والمصابين بلدغ العقارب بسبب السيول والرياح الشديدة في أسوان.


أية أسوان نقصد؟! 


أسوان في الحقيقة لا تشتمل فقط على "مدينة أسوان" التي باتت ليلتها وقد انقطعت عنها المياه والكهرباء. الحقيقة أن "محافظة" أسوان تضم عشرات البلدات المجهولة التي تعيش، دون مبالغة، في اجواء العصور الوسطى والتي وقعت فيها حالات الإصابة بلدغات العقارب التي لم يعد أهل القاهرة يسمعون بها منذ 50 سنة.


العاصفة التي تعرضت لها أسوان تنتمي إلى المنخفض السوداني، وهو المسؤول عن سيول البحر الأحمر في جنوب ووسط الصحراء الشرقية ومسؤول عن تغذية بيئة الصحاري بسبل حياة النباتات وموارد المياه الجوفية الضعيفة الشحيحة. بفضل هذه الأمطار والسيول يتحقق خير وفير لبيئة الأراضي الجافة، ولعلنا نعرف أن الغابة المصرية الوحيدة الواقعة في جبل إلبا (علبة) تدين بالفضل في وجودها لهذه الأمطار الغزيرة النادرة.


تتجمع هذه الأمطار فوق رؤوس الجبال في الصحراء الشرقية وتتخذ من الوديان الجافة ممرات وسبل وقنوات وتكتسح في طريقها كل شيء، وتحمل معها "الزَبَد" الذي لا بد أن يذهب جفاء وينقضي ولا يبقى إلا ما ينفع الناس. ومن بين الزبد الضار الذي تحمله السيول والرياح تلك العقارب التي نزلت على سكان محافظة أسوان.


هذه المحافظة من أفقر محافظات مصر في السهل الفيضي الطيني ومن ثم تختنق الأرض الزراعية فيها في أشرطة طولية ضيقة لا تزيد عن مئات الأمتار من النهر إلى الجبل.


الفلاح المصري هنا ضحى بنفسه عبر القرون البعيدة بمثل ما ضحى النوبيون من أجل مصر، ترك الفلاح المصري الأرض الطينية للزرع والضرع وصعد هو ليسكن الجبل الصعب الشاق الخشن.


بمجرد أن تغادر أسوان شمالا في اتجاه إدفو والأقصر وتمر على الحافة الشرقية للنيل التي استقبلت الأمطار والأعاصير والرياح القادمة من الصحراء الشرقية تقابلك سلسلة من البلدات المعلقة فوق الجبل عند فوهات الكهوف ومصبات الأودية وملقف العقارب.


هذه البلدات تجمع نسيجا إثنوجرافيا من ثلاثة مصادر: النوبة + سكان الصعيد الأعلى+ قبائل العبابدة الذين هبطوا من الصحراء الشرقية.

هذا مزيج بشري نادر في أرض مصر.


البلدات المعلقة في الجبل والمعرضة لعقارب محمولة بالسيول والرياح تمتد في سلسلة تبدأ من نجوع منطقة "أبو الريش" ومنها شمالا إلى "الأعقاب" وصولا إلى الحالة الاستثنائية في سهل كوم أمبو الذي تم فيه تهجير النوبيين، حيث التقاء واديين قادمين من الصحراء الشرقية: "شعيت" و"خريت".


أهل محافظة أسوان لم يصعدوا إلى الجبل محبة في العقارب ورغبة في السكن بجوار الصخور الجرانيتية والرملية الفظة،  بل فعلوا ذلك تضحية براحتهم ليحافظوا على كل شبر من الأشرطة الضيقة من الأرض الطينية التي تنتج الغذاء.


حين قرأت اليوم في موقع "سكاي نيوز" خبر لدغات العقارب لأهل أسوان شعرت بقدر وافر من الخجل.


لا ينبع خجلي من أن تنشر القناة الأجنبية ذلك، أنا مع حرية الرأي والعرض والنقد، بل جاء خجلي لأني قرأت ذلك مع بداية موجات عودة السياحة إلى أسوان.


لدى أسوان قدرات تعدينية وسياحية كفيلة بنهضة شاملة لكل "محافظة" أسوان وليس للمدينة العاصمة فقط.


اليوم وبعد أن هدأت العاصفة نسبيا ووقف أهل أسوان في ترقب وحذر وسخرية توجهت مع فريق العمل لزيارة متحف النوبة - الذي شاركت اليونسكو في تأسيسه - فوجدنا الأمطار نجحت في التساقط من السقف على بعض التماثيل والمسلات والقطع المتحفية،

زاد خجلي وأسفي!


أكتب هذه السطور وكلي أمل في ثلاث خطوات:


-        إدارة فاعلة لمواجهة الأزمات، دون أن تتذرع بأن هذه الموجات الرعدية والسيلية لا تحدث سوى مرة واحدة كل 7 سنوات


-        تفعيل القدرات الثقافية النوبية والأسوانية كي يجد الإقليم الاستراتيجي لنفسه مكانه الذي يليق به على خريطة السياحة والتنمية التي يمكنها أن ترفع مستوى الدخل وتصب في صالح التعليم والثقافة.

-        الاهتمام "بمحافظة" أسوان وليس "مدينة" أسوان. ذلك لأن المحافظة تشمل البلدات والقرى الأكثر عرضة للخطر والممتدة شرقا وغربا بين الصحرواين الشرقية والغربية، وشمالا وجنوبا بين الأقصر وخط الحدود مع الأشقاء في السودان.

أنا لا أحب مدينة أسوان وحدها، بل أسوان كلها: أبو الريش، الخطارة، الأعقاب، الجعافرة، دراو، وكوم أمبو..وعشرات أخرى من البلدات والقرى.

author-img
كوكب المنى

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent