يونس في بلاد الشوق !

 يونس في بلاد الشوق !


نقلا عن ا.د. عاطف معتمد

في السابعة صباحا نزلت شوراع "غرب سهيل" أبحث حائرا عن فطور وقهوة. وبينما أتجاوز "أشري نارتي" نحو "بربر" كادت الدهشة تأخذ بي حين سمعت صوت محمد منير يشدو بأغنية "يونس في بلاد الشوق".



كان الصوت يأتي من شاب يسير بخطوات نشطة نحو غرود الرمال ويسحب خلفه جملا  أشهب اللون، وفوق الجمل المتهادي تجلس بسعادة طفولية غادة أوروبية، شقراء هيفاء، ترتج صحة وجمالا. 


جاء صوت منير نقيا بلوريا في عزف منفرد من دون موسيقى، وكان يعلو بصوته فترتد الكلمات من بين الصخور البركانية والجرانيتة لا سيما حين أتى إلى المقطع الشهير: 


"..يونس ..أنا يونس..ونسيت من يونس ..والدنيا مالت عليا".


مددت الخطى كي ألحق بمنير عند الغرود الهابطة من الصحراء الغربية، تريد أن تردم مياه النيل عند صخور بربر. 

وحين أصبحنا وجها لوجه، وتفحصت صاحب الصوت البلوري لم أجده منيرا الذي يقترب من السبعين عمرا بل شابا في الثلاثين كأنه منير في أوج الشباب، متطابق في الصوت والقامة والشعر المفلفل. 


أدرت نفسي من غرود بربر واتجهت مستقبلا الجنوب نحو الخزان فعبرت العزبة القديمة لغرب سهيل ومنها دلفت إلى عزبة "محمد عثمان" وتطلعت فوق رأسي إلى الجسر الخرساني العملاق الذي سيحل محل طريق الخزان خلال عام على الأكثر ليربط الشطرين الشرقي والغربي للمدينة ويصل بسهولة ويسر إلى جامعة أسوان ويشكل في نفس الوقت تحديا بيئيا بمروره فوق الجزر الجرانيتية في قاع النهر.

وبينما أصعد المنحدر تذكرت المرة الأولي التي تعرفت فيها بشكل جاد على أغنية "يونس".


كان ذلك قبل عامين أو أكثر، حين كنت ألقي محاضرة في دار الأوبرا بالقاهرة عن الخلفيات الجغرافية لـ "السيرة الهلالية".

موجز القصة المربكة للسيرة الهلالية أنه قبل ألف سنة اخترع الفاطميون ما نسميه اليوم "الحرب بالوكالة" فاستغلوا حالة الفقر والجفاف والعوز في شبه جزيرة العرب والصراع الطائفي والقبلي ووجهوا الدعوة لعدد من القبائل أهمها "بنو سليم" و "بنو هلال" ليقاتلوا نيابة عنهم في شمال إفريقيا لرد الولايات التي خرجت عن المذهب الشيعي، لا سيما في تونس.


في السيرة الهلالية حقائق تاريخية لا شك فيها، وفيها كثير من الأساطير والخرافات والخوارق والصواعق والأشعار وكل ما تحمله من سحر جميل كلمة "فانتازيا".


قبل ألف عام خرج بنو هلال وبنو سليم ليعبروا شبه جزيرة سيناء مرورا بالشام ثم وادي النيل والصعيد قبل أن يتجهوا إلى بلاد المغرب العربي ليقاتلوا – نيابة عن الفاطميين – ملك تونس. 


وعلى نحو ما تفعل أساليب الحرب الحديثة لم تبدأ الحرب فجأة بل تمت عبر ما نسميه اليوم "طلائع التجسس" أو "جواسيس الاستكشاف".


رحل إلى تونس أربعة فرسان هم أبو زيد الهلالي ومعه ثلاثة آخرون، من بينهم الفتى الممشوق الوسيم الأقرب إلى جمال الأنبياء والملائكة وفتوة الفرسان: "يونس".


يقع الفرسان الأربعة في أسر ملك تونس ، وينتهي الأمر بأن يعود أبو زيد الهلالي إلى قبيلته في شبه جزيرة العرب ليجمع مالا يفتدي به الأسرى الثلاثة.

ظل يونس ورفاقه في الأسر سبع سنين قبل أن يعود أبو زيد ويحررهم بجيوش جرارة من قبائل نازحة من جزيرة العرب بأمر ورعاية وإنفاق من الفاطميين في مصر.

وخلال فترة الأسر في تونس هامت ابنة ملك تونس الفتاة الجميلة "عزيزة" حبا وولها بالفارس الممشوق الوسيم "يونس". ومن هنا نشأت من هذه القصة واحدة من أساطير الحب الكبرى في التراث الشعبي والثقافي الذي تحفظه لنا ملحمة السيرة الهلالية.


اتخذ شاعرنا المبدع الراحل "عبد الرحمن الأبنودي"  من جمع تراث السيرة الهلالية مشروعه في الحياة ونجح في ذلك واقترن بها واقترنت به السيرة الهلالية.


تجاوز الأبنودي السياسة والعقائد والمذاهب واتخذ من قصة حب يونس وعزيزة بنت السلطان حكاية لواحدة من أشعاره الغنائية التي شدى بها محمد منير : "يونس في بلاد الشوق"

الذين يسمعون الأغنية لا يعرفون بالضرورة ملحمة السيرة الهلالية ولذلك تبدأ الأغنية بعزف منفرد لا يستطيعه سبيلا إلا صوت منير الحر حين تقول الكلمات:


"جاي من بلاد بعيدة، لا زاد ولا ميه، 

وغربتي صاحبتي بتحوم حواليا 

وانتي تقولي لي "أحبك" 

..تحبي ايه فيا ؟

دا حب إيه دا اللي من غير أي حرية ؟!


ثم يعلن يونس عن أزمة الغربة التي تفطر القلوب حين يقول مجددا:

"أنا يونس..ونسيت من يونس، والدنيا: مالت عليا ! 


ولأن يونس أمضى سبع سنوات عجاف في الأسر بعيدا عن الوطن في الجزيرة العربية فإنه وإن كان قد أحب الأميرة بنت السلطان إلا أن قلبه بقي منشطرا  فنجد الأبنودي يكتب ومنير يشدو قائلا: 


"قلبي ضايع مين يلاقيه لي 

بايني نسيته حدا أهلي

..ينفع أحبك من غير قلبي ؟!"


ها أنا أصل إلى الخزان سيرا على الأقدام، وأعيد النظر مجددا إلى حيث تركت الشاب الذي يقلد منير "كأنه هو"، وأرى من بعيد غرود الرمال الكثيفة التي تهبط عند بربر، تريد أن تردم النيل.

author-img
كوكب المنى

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent