مسافر إلى الدلنجات ! ا.د. عاطف معتمد

 مسافر إلى الدلنجات ! ا.د. عاطف معتمد



الدلنجات اسم رنان لبلدة في غرب الدلتا يصعب أن ينساه أحد. العودة للقاموس الجغرافي الذي أعده محمد رمزي قبل أكثر من 80 عاما عن القرى والبلاد المصرية يخبرك أن اسم القرية الأصلي هو "دلنجة" وحين ارتحل أهلها إلى موضع أكبر استوطنوه قرب قريتهم الصغيرة صار الناس يطلقون عليهم في موقعهم الجديد "الدلنجات" أي "الوافدون من دلنجة". 


يبتسم بعض أبناء المدينة الأصليين إن سألتهم عن معنى الاسم، هذه واحدة من المرات القليلة التي تحمل فيها أسماء الأماكن في مصر ما يدعو للخجل بمعطيات الذوق الحديث.


ويبدو أن اسم "الدلنجة" غير اللائق أطلقه الأعراب الوافدون من الصحراء الغربية قد دفع الإدارة الحكومية لتبدله باسم آخر لفترة من الزمن، إذ يخبرنا محمد رمزي في قاموسه الجغرافي أن " دلنجة" تحولت في سجلات الإدارة في مطلع القرن العشرين إلى "الاسم الطيب".

ولكن الاسم القديم "الدلنجات" تفوق وذاع صيته فعاد مرة أخرى وإلى اليوم في عام 2020 هو الاسم الرسمي الشهير.


الطريق من "إيتاي البارود" إلى الدلنجات ناعس هادئ يمر بك عبر قرى وعزب تتجمع على جانبي الطريق وتلتهم الأرض الزراعية أيضا.


وبينما السيارة العتيقة تمرجحنا يمينا ويسارا، جربت أن أسأل بعض الركاب عن معنى أسماء البلاد التي نمر بها فحصلت على إجابات مسلية جدا. 


مررنا مثلا على قريتين متتابعتين هما "خمارة" و "دقدوقة" فتطوع رجل خمسيني وقال "الخمارة كانت محطة للانجليز بيسكروا فيها وكان الأهالي المقاومين للاستعمار يتربصون بهم عند "دقدوقة" و"يدقوهم" فيها ضربا وقتلا.


أعادني هذا التفسير الفكاهي إلى إجابة زميلي في أيام الدراسة الجامعية في القاهرة حين سألته عن معنى القرية التي يسكن فيها بجوار الجامعة وتحمل اسم "صفط اللبن".


قال صاحبي إن عراكا وقع بين الأهالي الوطنيين والاحتلال الإنجليزي، وكان عراكا حامي الوطيس أصاب قتلى وجرحى وخلق كثير من الطرفين واضطر الإنجليز أمام شراسة المقاومة إلى طلب الصلح وانتهى الأمر بأن قال كل طرف للآخر "صافي يا لبن؟ صافي يالبن!" ومن هنا جاءت صفط اللبن. 

انفجرت أنا وزميلي في الضحك بعد هذا التفسير الأسطوري، وما تزال هذه الحكاية هي أول ما نتذكره حين نلتقي على فترات متباعدة منذ أيام التلمذة التي مر عليها الآن ثلاثة عقود. 

الناس معذورة، من سيعلمهم أن "سفط" مسمى محرف لاسم معبود مصري قديم منذ آلاف السنين، أما اللبن فعلى الأرجح إشارة إلى البيوت التي كانت تبنى من الطين. 


أعود بكم إلى الدلنجات التي كانت إجابات المرافقين عن أسماء القرى والبلدات فيها مدعاة للتسلية المبهجة أيضا، ولولا أن في يدي صفحات محمد رمزي ما عرفت أن "خمارة" اسم محفوظ في الدواوين المصرية قبل الإنجليز بقرون من أيام "ابن مماتي" أي قبل ٨٠٠ سنة وكان الاسم الأصلي هو "الخمارتين" أما دقدوقة فاسمها الأصلي القديم "دكدوكة" وربما للاسم معنى بكلمة دك ودكوك ومدكوك التي تشير إلى طبيعة الأرض وسطحها.


حين وصلت الحافلة المترنحة المتأرجحة إلى محطة الوصول ودفعت أربعة جنيهات ثمن الأجرة شكرت رفقاء الرحلة على الإجابات الطريقة وبدأت تجوالي في البلدة. 


أول ما يقابلك في "الدلنجات" التمثال المرفق وهو لفكرة عظيمة وتنفيذ متواضع. تقوم الفكرة على إعطاء البلدة سمة مميزة احتفاء بالمكون الأساسي من أهلها من القبائل العربية. يحمل التمثال اسم "الفارس العربي"


في نهاية القرن 19 ومطلع القرن 20 ذهب بعض المستشرقين الذين درسوا القبائل العربية في مصر إلى القول بأننا حين نتحرك من شرق الدلتا نحو سيناء يقابلنا نموذج مصغر لشبه الجزيرة العربية بينما يقابلنا نموذج مصغر للجزائر وبلاد المغرب حين نغادر الطين في غرب الدلتا نحو رمال الصحراء الغربية.


 رأيت أحد سكان الدلنجات يرتدي زيا يشبه زي الأشقاء في ليبيا بالصديرية الملونة والعمامة المميزة بأهل المغرب فسألت عن قبيلته فأخبروني أن "الشوالحة" "والقذاذفة" هم الأكثر شهرة من بين أولاد علي.


التركيب الداخلي للدلنجات لا يحمل شيئا مميزا، الشارع الرئيسي يشعرك أنك في بولاق أو إمبابة في القاهرة وربما نسخة من الشارع الرئيسي في مدينة مطاي في محافظة المنيا.


لا عجب، فكل القرى والبلدات المصرية صور مستنسخة لا ابداع فيها.


للدلنجات مدخل آخر من ناحية طريق الإسكندرية، جلست هناك أستريح على مقهى فهالني مجمع تجاري ضخم ينتظر الافتتاح أقيم على أجود الأراضي الزراعية أمام مدخل المدينة.

المجمع التجاري يشبه المجمعات الكبرى في الإسكندرية والقاهرة، عمارة فخيمة وديكورات مبهرة مما يعكس مراهنة أصحاب المشروع على إهدار أهل الدلنجات أموالهم على الأفراح والمناسبات السعيدة.


نسيت أن أقول إنه في محاولة لإيقاف التوسع على الأرض الزراعية أقامت الدولة في العقود الماضية في الدلنجات مجمعين للسكن المخطط من عمارات مرتفعة لكنها لا تستوعب سوى القليل من العدد المتزايد من السكان. 


تبدو الدلنحات بعيدة عن العاصمة لكنها مفتونة بها، تقلدها وتستنسخ منها أسوأ ما فيها.

تفقد الدلنحات بالتدريج ذاكرتها حين كانت بلدة تقف على ثلاث بيئات:

- الأراضي الرطبة لبحيرة مريوط القديمة قبل انكماشها وضياعها

- الطين في غرب الدلتا قبل التوسع الحضري وتجريف التربة

- الصحراء الغربية قبل مشروعات الاستصلاح الزراعي.



author-img
كوكب المنى

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent