الإسكندرية...مرآة البحر !

 الإسكندرية...مرآة البحر !



نقل عن ا.د. عاطف معتمد

أخذت الصورة المرفقة من شرفة الغرفة "3" من فندق ميرامار الذي كان مسرحا لقصة نجيب محفوظ الشهيرة عند منعطف تاريخ مصر الاجتماعي، وهي تودع العهد الملكي مندفعة إلى العهد الجمهوري.

أود أن أعترف أنني ما جئت هنا إلا مصادفة. كنت أجمع معلومات عن طبوغرافية المدينة تطعيما لكتابي الذي طال تأجيله عن جغرافية مصر الحديثة، لكني كعادتي في التسكع وقعت في شرك "ميرامار" بدلا من الالتزام بفحص طبوغرافية المدينة.

لا بأس، لا يمكننا فصل ما هو طبوغرافي عما هو اجتماعي، وما هو تاريخي عما هو أدبي وفلسفي. فعند هذا الساحل القوسي في حي الرمل بغرب الإسكندرية استلهم نجيب محفوظ قبل 50 سنة الحبكة الدرامية لروايته التي تحولت فيلما سينمائيا فيما بعد.

 

كان محفوظ يجلس هنا ويطيل النظر إلى البحر، خليج طبيعي أقرب إلى حمام سباحة ضخم، وأشبه بحلبة تدريب آمنة لمراكب الصيد الصغيرة، لاجون طبيعي يبدو فيه البحر هادئا وفسيحا في آن، في الأفق تقف بشموخ قلعة قايتباي، في الخلف بارات وكافيهات ومطاعم أوروبية من بقايا الإسكندرية الكوزمبوليتانية.

قبل ستين سنة كان كورينش الإسكندرية عامرا بأشجار النخيل فارعة الطول، مع عدد محدود من المارة، وعدد أقل من السيارات. 

قبل ما يقرب من ستين سنة كانت الإسكندرية تنسلخ من الملكية وتستقبل النظام الجمهوري، يتراجع الوفد ويصعد الاتحاد الاشتراكي، تختفي الوجوه الأوروبية الشقراء والبيضاء والحمراء لتحل محلهم سمرة المصريين: أفندية بملابس إفرنجية وفلاحون بجلاليب ريفية.

 

في تلك الأجواء انتبه محفوظ إلى ضرورة إمساك اللحظة التاريخية لشخصيات متبانية في معتقداتها وطبقاتها الاجتماعية ومستوياتها الاقتصادية. وبدلا من أن يلجأ إلى رقعة جغرافية واسعة ويرتحل بالأبطال من مدينة إلى مدينة أو من حي إلى آخر، إذ به - بحيلة ذكية ماكرة ماهرة – يجمع الأبطال كلهم في "بنسيون" يطل على شط إسكندرية المقوس في حي الرمل الذي يبدو في الصورة الفوتوغرافية التي أخذتها قبل يومين.

الذين لا يعرفون محفوظ جيدا يحبسونه في الحارة المصرية وفي الثلاثية القاهرية وينسون أنه دوَّن واحدة من أهم رواياته عن الإسكندرية، تلك التي تحمل اسم "ميرامار".

اسم غريب، من أين جاء به محفوظ؟ وماذا تحمل دلالاته؟ وما علاقته بالإسكندرية؟

 

نزلت هذا الأسبوع في ضيافة الجيل الثالث من أحفاد أصحاب الفندق وتسامرت معهم لنحو نصف الساعة عرفت خلالها أن الاسم الذي يحمله المكان هو "لوكاندة فؤاد" نسبة إلى الملك فؤاد الذي كانت الشوارع والميادين والمواليد الجدد يحملون اسمه تيمنا بعصره. 

اشترت هذه الأسرة المصرية الفندق من السيدة "كلارا" بعد ثورة عام 1952 بعدة سنوات، على الأرجح في عام 1958. كتب محفوظ روايته في عام 1968 أي بفارق عقد من الزمن.

هل كان الاسم الأصلي للفندق الذي جرت فيه الرواية "ميرامار" حقا؟ أم أنه من وحي خيال نجيب محفوظ؟ 

يفتتح محفوظ روايته معرفا هذا الفندق بصفة الـ "بنسيون". 

ورغم أني سمعت كلمة "بنسيون" في الأفلام المصرية الكلاسيكية مئات المرات إلا أني لم أفهم معناها حقيقة إلا بعد سفري إلى المجتمع الروسي الخارج من رحم الشيوعية في تسعينيات القرن العشرين.

في هذا المجتمع الشهير بقطاعه العريض من شريحة كبار السن رنت في أذني الكلمة ليل نهار. فكبار السن يقال عنهم أنهم يعيشون على الـ "بنسيا" أي على المعاش، والرجل الذي خرج على المعاش يسمى "بنسيانير"..وهكذا

 

"بنسيون" إذن هو نوع من الفنادق يقدم حياة شبه كاملة لكبار السن أو المسنين أو من لديهم أموال يعيشون بها فيما يشبه المعاش لفترات طويلة ويحصلون على وجبات طعام متكاملة، ويعوضون الوحدة  والشيخوخة بالحياة مع بعض الناس الغرباء/الأقرباء.

ميرامار كلمة ذات أصل برتغالي وإسباني بمعنى "مشهد على البحر".

تقول القواميس إن الكلمة مؤلفة من مقطعين mirar وتعنى يشاهد أو ينظر، و  mar وتعني البحر. 

ويطيب لي أن أترجمها هنا "مرآة البحر".

بفضل ثورة المعلومات الآن نعرف أن هناك عشرات الأماكن في العالم تحمل هذا الاسم من قلاع وقصور وبلدات.

ربما كان الاسم الأصلي للفندق هو حقا "ميرامار" وربما اختار محفوظ الاسم ليعطي دلالة على المكان المحمل بأبطاله المطل على بحر  إسكندرية.

الإسكندرية في منتصف القرن العشرين كانت "مرآة البحر" المتوسط بأسره، وكانت الجاليات التي تعيش فيها ممثلة لجنسيات وقوميات وعقائد مختلفة.

نفهم من محفوظ أن الثورة حين جاءت فرضت الحراسة على بعض أبطال الرواية، وسلبت رونق السادة، وساوت المصريين بهم، لم يتحمل الأجانب الوضع ففروا، أو شاخوا وهرموا، ثم ماتوا.

هل حقا كانت الإسكندرية "مرآة البحر"؟ هل كانت كذلك للأجانب والمصريين؟

هل نصدق بعض أبطال الرواية حين يقولون إن الإسكندرية بعد العهد الجمهوري انتكست مع صعود المصريين وانتثر فيها القبح وانتشر بعدما كان الجمال يمرح فيها سبائك من ذهب؟

كعادة نجيب محفوظ الذي اختار الأدب بدلا من الفلسفة، فوضع كل الأسئلة الصعبة على لسان أبطاله وخرج هو آمنا مأمونا من كل معركة فكرية، لا يزعم أنه سياسي، ولا يتعرض لتهمة كتابة التاريخ أو مراجعته. 

ما أروع الأدب !

وعلى خلاف أعمال محفوظ المبدعة فإن أول 20 صفحة في الرواية لا تشجع على إكمال القراءة، وهي المشكلة التي تداركها الفيلم حين جعل من دلال وجمال الفلاحة زهرة (شادية) مادة لجذب الأنظار وتعليق أعين المشاهد بشخصية ذات دور ثانوي في الرواية الأصلية، لكنها تصبح بطلة الفيلم الذي بالطبع يغازل الجمهور.

الذين يحبون القراءة المتأنية المتمهلة سيجدون الرواية بالطبع أكثر ثراء من الفيلم، وسيتوقفون طويلا أمام حوارات وأسئلة معلقة دون إجابة: في الدين والأخلاق، والسياسة والاقتصاد ، مع جولة ثرية فخيمة بأسماء حياة اللهو والانطلاق ومواطن الملذات في إسكندرية منتصف القرن العشرين، حين كانت "مرآة البحر".

في "ميرامار" أسئلة المرحلة الانتقالية، وأسئلة أخرى صعبة عمن دهستهم هذه المرحلة، وعمن ربحوا منها، وعمن وقفوا في منتصف الطريق. 

---

ليتني أكف عن التسكع وأعود إلى الطبوغرافيا، ليتني أتحلى بجدية أكثر، وتركيز أفضل، وأدخل إلى عين الموضوع فأجيب عن السؤال الذي طرحته منذ أسبوع، حين كنت أفكر معكم قائلا: هل تختفي الإسكندرية.. مرآة البحر أو "ميرامار" ؟

author-img
كوكب المنى

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent