الإسكندرية .. مدينتنا !

الإسكندرية .. مدينتنا !






نقلا عن ا.د. عاطف معتمد

لمسجد "سيدي بشر" موقع فريد عجيب. يكاد يكون هو المسجد الوحيد المتربع فوق تل مرتفع يكشف البحر. اصطنعت مساجد الإسكندرية الأخرى لنفسها طابقا سفليا كاملا وسلالم مرتفعة يصعد منها المصلون إلى طابق علوي للصلاة، في محاولة لتقليد طبيعة الإسكندرية القديمة الأصلية التي بنيت في الأساس فوق تلال مرتفعة.

هذا التقليد الاصطناعي تجده حاضرا مثلا في مسجد شهير مثل "القائد إبراهيم" غربا أو مسجد "المندرة" شرقا.

أما هنا فإن الموقع يستمد أهميته من توسطه الساحل مشرفا على البحر اللازوردي، فوق آخر تلال باقية من المدينة.

يمكنني اعتبار التل الذي أقيم عليه مسجد "سيدي بشر" درسا جغرافيا للأطفال. فحين نصعد هذا التل الصغير وندخل المسجد نستقبل "القبلة" التي جاء منها اسم الوجة "القبلي" حيث الصعيد، أي إلى الجنوب، ومن خلفه مكة المكرمة الواقعة إلى الجنوب (الشرقي) من الإسكندرية، لكننا ونحن نستقبل القبلة يكون البحر من خلفنا حيث التعبير النموذجي لمفهوم "الوجه البحري" أي إلى الشمال.




لا أشك أن الفنان العظيم محمود مختار استحضر هذه الثنائية حين شيد تمثالا للزعيم سعد زغلول في غرب المدينة فوضع أمام الزعيم وخلفه امرأتين جميلتين تعبران عن أن مصر كلها مع الزعيم: واحدة تطل على البحر بزي الفلاحات الحسناوات البهيات في الدلتا، وواحدة تطل نحو الجنوب بزي نساء الصعيد ذوات الحسن الجسور والقد الممشوق.

لو صدقنا التغير المناخي المنذر بارتفاع السواحل وغرق المدن المنخفضة ومن بينها الإسكندرية فسيكون مسجد سيدي بشر هو آخر ما سيغرق في المدينة.




الحقيقة أن الإسكندر الأكبر قبل 2300 سنة حين اختار هذا المكان ليكون موضعا لتأسيس عاصمة إمبراطوريته لم يأت اختياره من دون جغرافيا أو من غير وعي دقيق بطبيعة الطبوغرافيا.

لم يكن الإسكندر يقلد بيئة الموانئ اليونانية الجبلية فحسب، بل كان قد جاء بحملته للتو من ساحل الليفانت (لبنان) وهناك أقام بعض موانئ إمبراطوريته على تلال بيضاء تشرف على البحر، تماما كالتي وجدها هنا في الإسكندرية.

لم يفعل الإسكندر في المدينة أكثر من أنه أمر بردم جزء من البحر في قطاع صغير لا يتجاوز عدة كيلومترات عرف تاريخيا باسم "هيبتا ستاديون" أي "7 ستاد" أو ما إجمالي طوله 1300 مترا.

هذه المسافة التي ردمها الإسكندر كانت نواة لما أصبح الآن في 2021 أحد أكثر أحياء الإسكندرية كثافة وازدحاما ونشاطا تجاريا وسياحيا.




كانت هذه الأرض جزءا من البحر وجاء طلب الإسكندر بردمها كي تتصل بالجزر الواقعة في البحر أمام المدينة، لا سيما جزيرة فاروس التي أقيم عليها فنار الإسكندرية الشهير ، تلك الجزيرة الساحرة التي أقام عليها لاحقا آخر سلاطين المماليك العظام السلطان أبو النصر سيف الدين الأشرف قايتباي قلعته التي نسميها اختصارا بقلعة "قايتباي" والتي التحمت بجزر أخرى أصغر في "رأس التين" الذي يضم القصر الملكي الشهير الذي صار لاحقا قصرا جمهوريا.




إذا أحصيت كل المدن المصرية من رفح إلى الإسكندرية مرورا بالعريش والموقع الذي ستشغله لاحقا بورسعيد ثم دمياط ورشيد وغيرها من مدن ساحل المتوسط المصري لن تجد موضعا جغرافيا له طبوغرافيا تشبه الإسكندرية. كل المدن السابقة قامت على أرض مستوية مسطحة من رمل الصحراء وطين الدلتا.




الإسكندرية وحدها وقت الإسكندر هي التي قامت فوق تلال من الحجر الجيري ناصع البياض.

"ناصع البياض" هذه ليست تعبيرا استعيره من اللغة الأجنبية Snow white بل هو الوصف الذي صاغه الرحالة المغربي ابن جبير حين زار الإسكندرية قبل 800 سنة وقال إن اهل المدينة لا يحتاجون إلى مصابيح ليلا، فضوء القمر والنجوم ينعكس على التلال البيضاء والبيوت التي طليت باللون الأبيض فتصبح الدروب والطرقات منيرة من دون مصابيح. بل إن ابن جبير غالى في الوصف فقال إن المرأة من أهل الإسكندرية يمكنها إدخال الإبرة في سم الخياط ليلا ونهارا على حد سواء.




الإسكندرية الأصلية قامت على سلاسل من الحواجز التلالية البيضاء المتوازية بمحاذاة البحر ونحو الداخل، كل سلسلة تلالية بيضاء أقيمت فوقها المساكن والمنشآت، أما الوديان المنخفضة فكانت بحيرات وأراضي بساتين ومناطق للزرع والنخل.

بمرور القرون منذ الإسكندر إلى اليوم تم تغيير معالم الإسكندرية، ولو أنك لم تطلع على الجغرافيا التاريخية للمدينة فلن تتعرف عليها اليوم، فإسكندريتنا اليوم لا تشبه إسكندريتنا الأصلية إلا في بعض ملامح آخذة في التلاشي.




كيف كانت الإسكندرية في الماضي القريب؟ ومما تألفت بيئتها الطبيعية؟ وهل لهذا التكوين علاقة بالمخاطر المهددة من غرق سواحلها أو اختفائها من على خريطة الدنيا؟




دعونا نكمل في لقاء مقبل بإذن الله!

-----

عنوان هذا المقال "الإسكندرية مدينتنا" مستوحى من مشهد وثائقي استعان به يوسف شاهين في أحد أفلامه عن الإسكندرية، في هذا الفيلم يقف هتلر مسحورا مغرورا بالنصر الذي حققته جيوشه في الحرب العالمية الثانية حين اكتسحت الساحل الشمالي الغربي لمصر قادمة من ليبيا وزحفت على الدلتا بجيوش مهيبة وصارت على مرمى حجر من منخفض القطارة وعلى بعد 100 كم من الإسكندرية. وحين وقف الجيشان الألماني والإنجليزي وجها لوجه في المعركة الفاصلة "العلمين" حبس الجميع أنفاسهم، وخطب هتلر في جموع الشعب الألماني محفزا جنوده وقادته وقال عبارته الشهيرة: "الإسكندرية مدينتنا" !
author-img
كوكب المنى

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent