الإسكندرية... الحضارة في العمارة

 الإسكندرية... الحضارة في العمارة 

نقلا عن ا.د. عاطف معتمد



أخذت الصورة المرفقة لواحدة من عمائر محطة الرمل في غرب الإسكندرية. لا يقل عمر هذه البناية التي تطل على البحر عن قرن من الزمن. 


لو كنت تؤمن بأن للأماكن، مثلها مثل البشر، شخصيات وأرواح فبوسعك اعتبار هذه البناية واحدة من أولئك. 


في عام 1932 قدم عالم الآثار الإنجليزي سيريل فوكس أطروحته عن أثر البيئة على الإنسان تحت عنوان " شخصية بريطانيا"، وبعده بأكثر من ثلاثين سنة تبنى جمال حمدان العنوان في كتابه العبقري "شخصية مصر".


المدرسة التي ينتمي إليها فوكس وحمدان وعشرات غيرهما ترى أن الأمم والشعوب تتأثر بروح المكان وسمات بيئته. يترك المكان بصماته على ساكنيه، وفي المقابل تجاهد الأمم والشعوب كي تهب المكان صفاته على عجلة الزمن.


عجلة الزمن أقرب إلى عجلة الفخراني الذي صوره المصريون القدماء وهو يخلق المصريين من طمي النيل. تدور العجلة فيولد البشر بيد الفخراني، وتدور عجلة الزمن فيترك المكان أثره على الناس، ويترك الناس أثرهم على المكان.


بعض الأثر البشري واضح غائر، وبعضه لا يتجاوز خدش سطحي على جسد المكان. الآثار الغائرة تجدها في البيئات السهلة: الساحلية والفيضية والتلال الهينة. أما آثار الخدوش الطفيفة فتجدها في الصحاري الشاسعة والجبال الشاهقة المنيعة.


في السنوات الأخيرة ومع التقدم التكنولوجي، وتعاظم دور الإنسان في تغيير البيئة لم يعد العلماء يتوقفون كثيرا عند أطروحة "شخصية المكان" الذي يمنح الناس تفردهم، بل صار الجهد الأكبر الآن موجه إلى أثر الإنسان في بيئته. 


ولأن هذا الأثر كبير ملحوظ كما لو كان حدثا جيولوجيا، فقد ذهب البعض إلى تسمية عصرنا الحالي باسم "الأنثروبوسين" أي "عصر الإنسان". 


لا عجب إذن أن تتبنى المدرسة الفرنسية في السنوات الأخيرة مفهوما يعلي من قيمة الإنسان في تعديل بيئته، ألا وهو: "اختراع المكان".


"اختراع المكان" مصطلح فريد بليغ، لا يعني أن الإنسان يخلق أرضا من العدم بالمعنى الحرفي ولكنه يعني أن الإنسان يخلق فضاء مكانيا جديدا لم يكن موجودا على صورته هذه قبل أن تمتد له يده وآلاته وعبقرية تخطيطه وهندسته للمساحات والمدن والغابات والطرق وعقد الاتصال  وشبكاته، فضلا عن أبنيته وعمائره.


العمائر تخبرنا بالكثير عن شخصية المكان، لن نبالغ إن قلنا: أرني كيف تبدو عمائرك أخبرك من أنت، وأية علاقة تجمعك بالبيئة، ومن منكما يخضع للآخر.


الطريقة التي تبدو عليها العمائر تنطق بأسرار أيديولوجية، وفلسفية، واقتصادية، بل وسياسية عميقة.


دعني أبدأ معك من السؤال الذي يتحاشى كثير منا الخوض فيه: لماذا بقيت معابد الملوك والكهنة ورجال الدولة من عهد قدماء المصريين ولم تبق مساكن الشعب؟


أين الشعب المصري في قصة الحضارة المصرية القديمة؟ أين قصص الشعب بين قصص مئات الآلهة والمعبودات من طيور وحيوانات (من أبو منجل إلى قرد البابون مرورا بالجعران)؟ أين مساكن الشعب في مقابل الروايات المكررة لبطولات وأمجاد الملوك المذكورة على جدران عمائرهم التي لم يطمسها الزمن؟


الإجابة بسيطة جدا: لقد كانت عمارة من الطمي اللبن وذابت وضاعت ومحيت ونسيت.


الأبنية إذن والعمائر والمساكن والجبانات والمعابد والقصور تخبرنا بالكثير عن التاريخ الذي توجهه السياسة أو السياسة التي رويت عبر التاريخ.


سافِر إلى بلد شيوعي وانظر إلى عمارته. ملايين العمائر بنيت في نسخ طبق الأًصل من نموذح واحد يشبه فيه كل الناس بعضهم بعضا. كانت الشيوعية تريد للناس أن يكونوا سواسية كأسنان المشط في تحد لطبيعة الزمن ومناهضة للفروقات الفردية وتباين الطاقات والأرواح والعقول والرغبات والشهوات.


قبل ثلاثين سنة كانت كتب السياحة تدعو زائري مدينة "براج" عاصمة تشكيوسلوفاكيا آنذاك وتغريهم برؤية "العمارة الراقصة". 


في هذا الاسم خدعة لطيفة، حين تقف أمام تلك العمارة الشهيرة في وسط "براج" لن تجدها ترقص وتتمايل كما يوحي الاسم، بل ستجدها ذات تصميم مقوس ومنحني، يهدر مساحات في الفضاء كي يحافظ على الجمال المعماري، يعطي للواجهات مرايا فيروزية اللون تعكس جانبا من الفضاء المحيط.


شغفت اوروبا الشيوعية بالعمارة الراقصة في براج لأنها ثورة على غزو العمارة الشيوعية المتشابهة المعلبة في "بلوكات للنوم".


لو أعطينا أمثلة على دلالة العمارة في الاقتصاد والسياسة والأيديولجيا سنسود صفحات عديدة دون نهاية.


العمارة التي معنا في هذه الصورة لم تبن في الأصل كي يسكنها المصريون. قبل 100 سنة كان حي الرمل يواصل دوره منذ القرن التاسع عشر ليكون حيا للأجانب والقناصل من الإيطاليين واليونان وغيرهم. كان المهندسون المعماريون يأتون من إيطاليا إلى مصر بتكليف من الجاليات الأجنبية ليبنوا العمائر في وقت لم يكن عدد سكان مصر يتجاوز 14 مليونا جلهم من الفلاحين الذين محى الزمن بيوتهم ونسي التاريخ أسمائهم. 


كما تلاحظ في هذه العمارة هناك نمط شرقي أقرب للعمارة المغاربية. هذا النمط سنجده في قصر المنتزه وفي جسر ستانلي بشكل واضح وبألوان معبرة من الأحمر القاني إلى الأصفر الساخن.

لا يمكن أيضا فصل تأثير عمارة عصر النهضة الأوروبي عن عمائر الإسكندرية وأبنيتها خاصة في الفترة التي تلت عام 1882 حين استهدف الأسطول الإنجليزي ضرب هذا الشطر من المدينة ردا على محاولات جيش عرابي البدائي ومدافعه الضعيفة قصف أسطول الإنجليز الغادر العاتي الجسور، الخبير العليم. 


يساعدنا مقال أعدته الباحثة "كريمة نصر" في دورية نشرتها مكتبة الإسكندرية في معرفة السيرة الذاتية لبعض المعماريين الإيطاليين الذين جاءوا الإسكندرية في نهاية القرن 19. 


كان هؤلاء قد درسوا في كلية الفنون التطبيقية في بلادهم وكان بعضهم يجمع بين العمارة والموسيقى.


على نحو ما نرى في الصورة، تعلي التصميمات الخارجية في هذه العمارة من أهمية النوافذ والشرفات والتناغم في تصميم الواجهة.


حين دخلت هذه العمارة استوقني المنور الكبير الذي يهبط بكميات كبيرة من الضوء والهواء المنعش للغرفات الداخلية.

اخترت أن أصعد السلم المتسع المريح الذي أغناني طبعا عن استخدام المصعد العتيق، رغم إغراء المصعد الذي وقفت فيه شادية ويوسف شعبان أبطال فيلم "ميرامار" المستوحى من رواية نجيب محفوظ قبل 50 سنة.


الإضاءة على السلم الفسيح المريح تستقبل النور الطبيعي من نوافذ ذات الرسم الزجاجي الملون الذي يسمح بمرور الضوء بعد ترشيحه عبر ألوان برتقالية وزرقاء وخضراء، وهو تقليد شهير متبع في كنائس وكاتدرئيات أوروبا، ومتبع أيضا في مساجد قازان في عمق آسيا عند جبال الأورال، ومتبع أيضا في بعض مساجد مصر في القرن التاسع عشر.


الصورة المرفقة هي واحدة من مئات الأبنية التي ما تزال مدينة الإسكندرية تحتفظ بها من تراث نهاية القرن 19 وهي مخالفة للعمارة في عام ٢٠٢١ من تلك الابراج الشاهقة المستنسخة من بعضها البعض والتي تقدم للعدد المتزايد من السكان "صناديق" مغلقة للنوم.


في العمارات الجديدة كل الشقق تشبه بعضها بعضا، لا تتسق العمارة مع البيئة ولا تسعى إلى التناغم معها وفق التكامل الموسيقي للآلات والأصوات التي علمنا إياها إدوارد سعيد في المصطلح الذي اخترعه وأسماه "جغرافية التقابل الموسيقي".


يقصد إدوارد سعيد – الذي نعرف له فقط أفكاره في الدفاع عن الشرق ومناهضة الاستشراق – أن عناصر الأرض أقرب إلى عزف متكامل من الآلات الموسيقية. كل آلة لا تعزف منفردة ولا تقدم لحنا أحاديا، وحتى لو فعلت ذلك فسيكون ضمن مفهوم" التقابل" بمعنى إكمال كل آلة بقية الأدوار الأخرى، كل آلة تعزف لحنا يقابل المعزوفات الأخرى في كل متكامل، لا فضل لآلة على أخرى: المقطوعة الموسيقية هي ابنة عزف الجميع ومساهمة الكل.


أطلت عليكم، وكان كل هدفي أن أقول إن العمارة جزء من "اختراع الإنسان للمكان" ذلك التعبير الفرنسي البليغ الذي يذكرنا بتزاوج الإنسان والمكان عبر عجلة الزمن، تلك العجلة التي تذكرنا بعجلة الفخراني الذي شكل الإنسان من صلصال من طين على نحو ما تصور جدران معبد إسنا في صعيد مصر، ذلك المعبد الذي تحتفظ لنا جدرانه الحجرية وأعمدته المهيبة بذكرى الملوك وبطولاتهم، أما مساكن الشعب التي بنيت من طين لبن فضاعت وذابت ومحيت ونسيت من دون ذكر أو توثيق.

author-img
كوكب المنى

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent