تحجر الأشجار ..وتفتح العقول - ا.د. عاطف معتمد

 تحجر الأشجار ..وتفتح العقول - ا.د. عاطف معتمد 

أخذت الصورة المرفقة من المنطقة الواقعة بين طريق شرق العوينات والواحات الخارجة، حيث تبدو جذوع أشجار مطمورة في فرشات رملية تبدو كأنها جزء من بحر واسع من الرمال.



جذوع هذه الأشجار المتحفرة البادية على السطح ليست إلا جزءا طفيفا ظاهرا من غابة ضخمة مطمورة في بطن الأرض.

قبل ملايين السنين كانت هذه الصحراء مروجا وأنهارا، وغابات، وبين هذه الأشجار في الغابة، وعند ضفاف الأنهار ومصباتها في البحر والبحيرات كانت أنواع عديدة من الحيوانات تمرح في بيئة أكثر وفرة في المياه. 


لم تكن نظم الأنهار في الصحراء الغربية منفصلة عن نظم الأنهار في بقية مصر، بل على الأرجح كان هناك نظام نهري عظيم يتدفق من جبال البحر الأحمر التي كانت أغزر مطرا، فيمر هذا النهر أو مجموعة الأنهار لتعبر إلى غرب مصر (قبل أن يتشكل نظام نهر النيل) ويشترك الكل معا في نظام مائي ضخم عبر ملايين السنين يجري فيما نسميه اليوم صحراء مصر الغربية ويصب في بحر عظيم هو الجد الكبير للحفيد الصغير الذي نسميه اليوم البحر المتوسط.


تقوم مشروعات الاستصلاح الزراعي والحياة في الواحات حاليا على المياه القديمة المختزنة في باطن الأرض من هذه المياه العذبة القديمة. 

كانت الآبار تحفر في الماضي ( قبل 100 سنة مثلا) على عمق 10 أو 20 أو  50 مترا، ومع الضخ المتزايد في القرن العشرين والعقود الأخيرة أصبحت الآبار تحفر اليوم على عمق  ألف متر (غارت الآبار أي أصبح ماؤها غورا)، ذلك لأن المياه المختزنة أقرب إلى رصيد في البنك نأخذ منه ولا نضيف إليه أية مدخرات تذكر، وبالتالي فرصيدنا هنا يتعرض للتناقص المستمر، حتى مع النظرية التي تقول إن أمطار السودان تنحدر شمالا وتغذي المخزون الجوفي.


وإذا كانت المياه الجوفية تصنف ضمن الموارد "غير المتجددة" أو "المعرضة للنفاد" فإن التاريخ الجيولوجي والبيئي ونقاء الطبيعة وبكر الظروف المناخية - لا سيما في موسم الشتاء - يجعل من جنوب مصر (من حيث الإمكانات والقدرات) واحدة من أكثر مناطق البلاد استعدادا لتنمية النوع المربح من السياحة المسمى "السياحة الإيكولوجية" أو "السياحة البيئية" فضلا عن "السياحة الجيولوجية والجغرافية بعمومها" ويمكن جمع كل هذه المسميات في كلمة واحدة جامعة هي "جيوتوريزم Geo-tourism" .

الجيوتوريزم يناسب تماما الجمهور الجديد من السائحين في العالم وفي الداخل المصري  أيضا، جمهور القرن الحادي والعشرين (من الأجانب والمصريين) صار متعلما ومثقفا وطموحا لشغف الاستكشاف ولم يعد تقنعه الفسحة والطعام والشراب بل يريد أن يعرف ويتعلم.


المعرفة والعلم والسياحة البيئية موارد "غير قابلة للنفاد" أي "قابلة للتجديد الذاتي"، وهي رأسمال محفوظ ينتظر الاستثمار.


وكما أننا في الشتاء "نبيع" الشمس والهواء الدافئ لملايين السائحين المحرومين منها في شمال العالم يمكننا أيضا أن نبيع للجميع (شمال العالم وغربة وشرقه) التاريخ الجيولوجي من خلال السياحة البيئية التي تحتاج إلى برامج متكاملة على المستوى القومي، على أن تصمم هذه البرامج بعقول متفتحة.

author-img
كوكب المنى

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent