حفل زفاف في ضواحي باريس ! من روائع كتابات ا.د. عاطف معتمد

 حفل زفاف في ضواحي باريس ! من روائع كتابات ا.د. عاطف معتمد



لبيت ليلة أمس دعوة لحفل زفاف في قرية المكس وهي آخر قرى المعمور المصري التاريخي قبل تخومنا مع السودان. تقع المكس إلى  الجنوب مباشرة من بلدة بَريس Bares التي حرف اسمها على الخرائط الحديثة ليصبح باريس Paris بنفس هجاء العاصمة الفرنسية ! 

بدأ الحفل مع غروب الشمس بابتهالات دينية في محبة الرسول ومديح مكارم الأخلاق، دفوف رنانة وأصوات منشدين حصلت على بعض موهبة من نبت المكان. في الماضي وحتى نصف قرن مضى كانت الابتهالات هي طقس العرس الرئيسي الذي يختتم بفاصل قصير من أغاني البهجة والمرح، أما اليوم فجيل الشباب فرض سطوته ولم يعد يترك للأجداد من عشقهم للمدائح سوى استهلال قصير يبدأ مع المغرب وينتهي بصلاة العشاء. 

الجيل الجديد الذي يبلغ من العمر الآن ثلاثين عاما لا يعرف معنى اسم "المكس" الذي تحمله بلدتهم. كان الاسم قد ازدهر  قبل ألف سنة واستمر حتى قرنين من الزمن معبرا عن الكلمة العربية "مكس" و "مكوس" بمعنى تحصيل الضرائب التي تجمعها السلطة على مرور السلع التجارية المتدفقة على درب الأربعين من تشاد والسودان وإفريقيا الوسطى لتدخل وادي النيل عبر الواحات الخارجة وأهمها العطرون والإبل والشَّب فضلا عن فصول من تجارة الرقيق.

مع انتهاء الابتهالات والمدائح النبوية خرج العريس من المكس إلى باريس لملاقاة عروسه القادمة مع أهلها وصديقاتها في سيارات مزخرفة من "كوافير" في الخارجة على بعد ساعتين.  قبل ثلاثين عاما كانت العروس تأخذ زينتها للعرس في البيت مع بعض نساء القرية لكن اليوم  – يخاطبني "قمر الدين" ابن القرية وصديق العريس – أدت ثورة الاتصالات إلى دعوة أبناء القرية  لتقليد كل ما تفعلونه أنتم هناك يا أهل القاهرة.

العرس منتصب في الهواء الطلق في ساحة بين البيوت، أخذت موقع المراقب على الجهة اليسرى للحدث وبدأت في اختلاس النظر إلى وجوه الحاضرين مع فقرات الحفل الغنائي الأولى، رجالا ونساء وأطفالا. كل يد تأتي لترحب بي من أهل العريس تخبرك بالمهنة والعمل الشاق الذي يقوم به صاحبها مقارنة بـ "الأيدي الناعمة" التي اعتدت أن أصافحها. 

الوجوه هنا أيضا تعبر عن الزمن دون غش أو تدليس، في المدينة تندهش من أن أحدهم بلغ الخامسة والستين وما زال وجهه "بيــبي فيس" حيث ابتسامة رضى وبشرة نظيفة خالية من التجاعيد وصف أسنان مكتمل. إن أردت هنا أن تخمن عمر أحدهم فلابد أن تخصم من تقديرك ما بين 10 إلى 15 سنة، إذ ما تظنه في الخمسين هو في الحقيقة لم يتجاوز بعد السادسة والثلاثين، لا عجب: اسأل عن عزق الأرض وتقليم النخل واختلاق المعمور من المهجور من هامش الصحراء.

أقيم العرس غير بعيد عن القلعة التاريخية للمكس، من أسفٍ أن هذه القلعة تهدمت ولم يبق منها أثر دال على الجمارك والمستودعات والحراسة. وبينما تأتي هنا البعثات الفرنسية والإيطالية والألمانية للبحث عن كل شاردة في التاريخ المسيحي للمنطقة يُهال التراب (عن عمد أو من دون عمد) على ما يخص التاريخ الإسلامي والعربي في صحراء مصر الغربية.

فرقة كاملة من المطربين والعازفين يحتلون مسرح خشبي متواضع أشعلوا الأجواء ودفعوا شباب القرية لمجاملة العريس بالاشتراك في نوبة رقص لم تكن تحتاج حرارة أغسطس فانغمر الجميع رقصا وعرقا. الفتيات يجلسن في شطرهن البحري من العرس يتابعن في وقار "معركة" سلمية صغيرة من رقص الشباب على أنغام فيها مسحة من طبول قبائل الصحراء الشرقية مع فارق التخلي عن الرقص بالسيف الذي تعرفه قبائل العبابدة.

الشيء المشترك هنا في المكس مع رقص العبابدة هو مراقبة الفتيات رقص الشباب، اعتادت قبائل العبابدة هناك في الصحراء الشرقية أن يكون رقص الشباب فرصة لإظهار القوة والقدرة على القفز لأعلى بالسيف وهو ما يرشح الواحد منهم ليكون فتى أحلام واحدة من الفتيات اللائي يستشعرن بأعينهن من بعد ، هنا في عرس المكس كانت المباراة الراقصة بلا سيوف وحل محلها التصفيق لأعلى بسواعد مكتظة بالعضلات بصخب فوار ونغم متناسق مع دقات الطبول.

مقارنة بالأباء والأجداد تأخر سن الزواج عند شباب المكس وباريس، ما بين الثامنة والعشرين والثانية والثلاثين علما بأن أغلبهم لا يلتحق بالجامعة، يحتاج المرء منهم لأكثر من عشر سنوات بعد إنهاء الدراسة المتوسطة (دبلوم فني) ليجمع تحويشة الزواج التي لا تكفي في كل الأحوال إلا بمقدار الربع أو الثلث مقارنة بما يساهم به الوالدان.

لا يعيش العريس في بيت أسرته بل لابد له من بناء بيت صغير مستقل وهو ما يستهلك الجزء الأكبر من السعي لاكتساب الرزق في الأعمال المحدودة في الإقليم من زراعة أو تجارة لا تدر ربحا كبيرا أو – وهو الشائع - أعمال يديوية يومية. 

انتهى العرس في منتصف الليل، ومع أضواء الصباح الأولى وبعد تناول فطور خفيف كريم غادرت المكان ملقيا نظرة متجددة على أطلال قلعة المكس التاريخية التي كانت ملء السمع والبصر وشهدت الكثير عبر ألف سنة مضت من قصص الطالحين وسير الصالحين.

author-img
كوكب المنى

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent