غرد أبو محرك/ أبو محرق 1991 - ا.د عاطف معتمد

 غرد أبو محرك/ أبو محرق 1991 - ا.د عاطف معتمد


في السنة النهائية لدراسة الجغرافيا بجامعة القاهرة  كان لدينا أستاذ محبوب للغاية من الطلاب اسمه "محمد صبري محسوب". لم يكن محسوب عالما جليلا في تخصصه فحسب بل إنسانا كريما سخيا شرقاويا أصيلا، يتغلغل في المجتمع الطلابي سواء في قاعات الدرس أو في الميدان. 




تبنى محسوب (رحمة الله عليه) أسلوبا تعليميا يناسب عصره آنذاك وهو إنتاج مجسمات حائطية لأقاليم من الصحاري المصرية في مادة دراسية كان اسمها "الخرائط الكنتورية" وهي نوع من خرائط التضاريس. 

أنتج الطلاب في دفعتنا خريطة ضخمة لمصر لتوضع في الممر الرئيس بين قاعات المحاضرات. 


على هذه الخريطة، ومن بين معالمها التضاريسية وضع الطلاب خطا رفيعا مائلا سميكا أصفر بحدود بنية اللون، يمتد من  منخفض الواحات البحرية في صحراء مصر الغربية بمحاذاة نهر النيل ليهبط في منخفض الواحات الخارجة. 

كتب الطلاب إلى جوار هذا الخط الطويل اسم "غرد أبو محرك".

وفي اليوم التالي صعد إلى القسم أستاذ وسياسي شهير ليلقى محاضراته على طلاب الدراسات العليا هو أستاذنا الراحل د. صبحي عبد الحكيم. كان صبحي عبد الحكيم "هو من هو" في إنتاج الخرائط وتدريس الجغرافيا و من الرعيل الثاني المؤسس للجغرافيا الحديثة، من جيل جمال حمدان ومحمد رياض وصفي أبو العز وغيرهم.


وقف عبد الحكيم إلى جوار الخريطة فأقبل عليه د. صبري محسوب متهللا وقال له "هذه خريطة دفعة هذا العام...1991 " أجابه د. صبحي "جميلة فعلا.. وأفضل من العام السابق، لا ينقصها سوى أن تصححوا اسم "أبو محرك" إلى "أبو محرق".

في عام 1991 لم نكن نعرف عن هذا الخط سوى أنه خط من الرمال، ولم نفهم لماذا يختلط الأمر علينا فنكتبه أبو محرك دلالة على أنه دائم الحركة والانتقال من الشمال إلى الجنوب.

في عام 1991 لم نكن نعرف في قاعات الدرس كيف يبدو هذا الغرد من الكثبان الرملية في تفاصيله الداخلية، ومما يتألف وكيف تبدو هيئة الأرض في تلك المنطقة النائية من صحراء مصر الغربية.

اليوم يستطيع أي طالب في المرحلة الإعدادية أن يتجول في برنامج جوجل إيرث في غرد أبو محرك/أبو محرق فيرى صورا فضائية عالية الجودة، عليها أشكال الرمال التي تتخذ فيها الكثبان شكل الهلال.


يطلق سكان الصحاري على أطراف الهلال اسم "القرون" ولكل هلال قرنان، وعادة ما تشير القرون إلى الجنوب لأنها تزحف متحركة متنقلة من الشمال إلى الجنوب فلا تقف عند الواحات الخارجة فقط بل تمتد إلى شمال السودان وفي طريقها تردم الواحات القديمة وتطمر النخيل والدوم وعيون المياه.

الصورة الأولى التي وضعتها مع هذا البوست من جوجل إيرث لمشهد يبدو فيه غرد أبو محرك/أبو محرق إلى الغرب من محافظة أسيوط، كما لو كنا ننظر إليه من طائرة على ارتفاع متوسط. المسافة بين القرنين هنا تتراوح بين 100 و250 مترا.

في الصورة تبدو بين القرون والكثبان الهلالية تلال بيضاوية رمادية اللون مؤلفة من صخور جيرية بحرية كانت قد شكلتها المياه القديمة من أمطار غزيرة. وأسفل هذه التلال البيضاوية يمكن أن نجد عادة آثار من تجويفات وحفر وكهوف قديمة كانت قبل آلاف السنين ممرات عبور لأنهار تحت الأرض.

مرت  30 سنة على حادثة أبو محرق/أبو محرك، كنا نظن أنه مجرد خط ضخم من الرمال. 

صورة جوجل إيرث تقول إن خريج أقسام الجغرافيا والجيولوجيا لابد أن يكون اليوم أفضل 10 مرات من نظيره في الجيل الذي تخرج قبل 30 سنة.


هذا تحد كبير أمام الطلاب الجدد، صحيح أن لديهم تقنيات أكثر دقة، ووسائل أوسع للمعلومات ومصادر أوفر من المعرفة، لكن الفهم الجغرافي التأسيسي والأفكار، والرؤية النقدية ليست في كل الأحوال أفضل من السنوات الماضية.

لهذا السبب لا يمكن فصل الأجيال عن بعضها: كبار السن لديهم خبرة ومعلومات أساسية، ورؤى نقدية، ولدى الجيل الأحدث قدرات تكنولوجية أعلى. 

لا يتحقق النجاح إلا باشتراك الاثنين معا..لا فضل لأحد على الآخر. 

-----

بخصوص الاسم:

ما زلنا إلى اليوم نكتب الاسم بطريقة  تبادلية على عديد من الخرائط في صور مختلفة: 

أبو محرق، أبو محرك، وأحيانا أبو المحاريق، بل إن بعض الخرائط تكتبه "أبو مخري" وهي كلمة تشير على الأرجح إلى أن الرمال تخر منه أي تتحرك  كما تخر الرمال وتنسكب.


وعلاوة على ذلك، سنجد أنه في المنطقة التي يهبط فيها الغرد على الواحات الخارجة نشأت بلدة سميت "المحاريق" وقد تم تغيير اسمها في العقود الأخيرة إلى "المنيرة".

في المفهوم الشعبي لسكان الواحات الخارجة فإن اسم المحاريق يشير إلى السجن الذي تأسس منذ عهد الاحتلال الإنجليزي.

لكن الحقيقة  أن اسم المكان يمكن أن يعزى إلى الغرد لأنه يهبط عند تلك المنطقة في موضع البلدة التي نشأت عند زحف هذه الرمال.


ويمكن القول إن تنوع هذه الأسماء وتبادل طريقة كتابتها يعود إلى نقل حرفي لنطق الاسم من سكان الصحراء دون أن نسألهم قبل 100 سنة عن المعنى المقصود بالتسمية، 

وقد رسمت الخرائط أولا باللغة الإنجليزية في عهد الاحتلال الإنجليزي ثم تم رسم الأسماء حرفيا وحدثت مشكلات كثيرة في النقل من الإنجليزية إلى العربية.


كل الإشكالات السابقة في الاسم يمكن حلها من خلال تدعيم أحد فروع البحث البيئي والتاريخي واللغوي يسمى " علم الطوبونيميا" أي علم "دلالة الأسماء".

author-img
كوكب المنى

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent