الأنثروبولوجيا الثقافية في النوبة !

 الأنثروبولوجيا الثقافية في النوبة !

نقلا عن ا.د. عاطف معتمد عبد الحميد 

من عجائب هذه المجموعة القصصية التي لا تزيد عن 110 صفحة أنها تضم مشاهد بانورامية للحياة في بلاد النوبة قبل قرن من الزمان.



في هذه المجموعة القصصية "ليالي المسك العتيقة"  يبدع الأديب النوبي السكندري "حجاج أدول" في إعادة إحياء مشاهد الحياة اليومية في القطاع المصري الممتد في بلاد النوبة بين أسوان شمالا ووادي حلفا في السودان جنوبا، قبل أن تغمره مياه خزان أسوان ثم السد العالي ببحيرته المسماة بحيرة ناصر، ويتم تهجير سكانه إلى شمال أسوان.  


الجغرافي محظوظ دوما، يقرأ المجموعات الأدبية مستمتعا بالأدب والفن والخيال والإثارة، وفي نفس الوقت يفتش فيها عن الجغرافيا الثقافية المندسة من دون تلقين وسبورة، أو حفظ مدرسي تقليدي.


تتجاوز هذه المجموعة القصصية إبداعها الأدبي إلى توثيقها للتراث الثقافي النوبي ممثلا في:

- تقسيم البشر بين الأموات والأحياء والأخيار والأشرار، والتعريف الصحيح لمصطلح "ناس النهر". فالمصطلح الأخير نقله لنا د.محمد رياض في دراسته الجغرافية للنوبة قبل نحو 60 سنة باعتباره إشارة إلى سكان الإقليم على ضفاف النهر  في النوبة. أما حجاج أدول هنا فيغوص إلى عمق المصطلح ويكشف لنا أن ناس النهر هم أرواح الأسلاف التي اختارت الحياة في مياه النيل النوبي وتولت حراسة السكان الأحياء على الضفتين.  ولعل هذا يذكرنا بأسطورة أرواح الأسلاف التي تسكن جبل أوليب أو إلبا (والذي نسميه في حصص الجغرافيا في المدرسة محرفا جبل "علبة"). تتولى أرواح الأسلاف في جبل "إلبا" حراسة الأحفاد من قبائل البشارين في حلايب وشلاتين في جنوب شرق مصر. وقد دون الأديب المبدع صبري موسى هذه القصة الأسطورية في عمله المدهش "فساد الأمكنة".


- طقوس الحب والزواج والزفاف والغرام والشغف الجنسي وشقاوة الصبية والفتيات في بيئة النوبة الحارة التي يتفجر فيها البلوغ قبل أوانه في بقية البيئات، هنا يتبرعم الشغف والحب، وتستوي الفتيات سريعا على أعوادها، هنا أيضا يقع كل عام مع الفيضان (قبل بناء الخزان والسد) زواج سعيد بين فيضان النيل حين يندمج في أرض النوبة الخصبة فتتولد من هذا الزواج كل الثمار والمحاصيل وتمور النخيل وحبات الدوم وثمار "البرتجان" الذي يصبح تشبيها لصدور الفتيات الناهدة.


- قاموس مصغر لأشهر العبارات المستخدمة  من تزاوج اللغة النوبية باللغة العربية، وإعادة إحياء مفردات نوبية تنقرض الآن ولا يعرفها الجيل الجديد.


- التداعيات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية منذ بناء خزان أسوان في 1902 وظروف الهجرة إلى الشمال في إغراء شباب النوبة بترك الأحباب وهجرة الرجال إلى الشمال فخطفتهم نساء الإسكندرية ووجه بحري من أحضان عرائسهم اللائي كن ينتظرن بشوق ولهفة في ديار النوبة الحارة. 


- أزمة الأبناء الذين ولدوا من زواج رجال من النوبة بنساء وجه بحري والإسكندرية ممن أطلقت عليهم الجدات النوبيات تهكما وسخرية اسم أبناء "الجورباتية" أي أبناء المرأة الغريبة.


- توثيق أسماء الأطعمة والمشروبات التي كانت منتشرة في النوبة قبل 100 سنة وما زال بعضها قائما إلى اليوم مثل خبز "الكابد" وملوخية "الإتر" وخمر "العرقي" ولفائف البانجو المخدرة.


- مزيج التراث الديني من المدائح النبوية الصوفية وموروثات الإجلال للحضارة المصرية القديمة لا سيما رحلة الصيادين في النهر والوقوف إجلالا أمام "جدتنا نفرتاري" جميلة الجميلات في معبد رمسيس الثاني.


لا يمكن حبس هذه المجموعة القصصية في التحليل الأنثروبولوجي والفولكلوري، فالحقيقة أن المجموعة القصصية إبداع أدبي بليغ يضم خيالات فنية شيقة، وصور حياتية نابضة.


النسخة التي قرأت منها هذه المجموعة أهداني إياها الأديب الكبير في لقائي به قبل شهر في الإسكندرية، وهي من إصدار عام 2018 لكن الطبعة الأولى صدرت في عام 1989 وحصل بها  أديبنا على جائزة الدولة التشجيعية.


سألت الأديب النوبي السكندري عن موقع أعماله عن النوبة في سياق الأدب النوبي بشكل عام الذي تعلمنا أهم ملامحه مع الرواية الأسطورية "الشمندورة" فأخبرني أنه يمكن تقسيم الأدب النوبي وفق أربع موجات وأن أعماله تنتمي إلى الموجة الثالثة.

دونت خلف الأديب بعض الملاحظات وحين عدت إلى مكتبي لأدون ما قال وجدت أن حلقات كثيرة مفقودة فتكرم وأرسل لي بحثا ألفه قبل سنوات عن موجات الأدب النوبي سأعرض موجزه في مقال مقبل بإذن الله.


في النسخة التي أهداني إياها الأديب النوبي الكبير كتب كلمات قليلات:

"ياصديقي: هذه المجموعة ستعجبك..صدقني !".


وقد تحقق فعلا ما توقعه أديبنا المبدع.

author-img
كوكب المنى

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent