U3F1ZWV6ZTIxMzgzNDc4MzQ4X0FjdGl2YXRpb24yNDIyNDUzMDg1MTg=
recent
حصريات

حوض النيل _ تمهيد عام _ أ.د.محمد عوض محمد


حوض نهر النيل 
 نهر  النيل هذا الذي تعب في ارتياده المستكشفون وعنى بوصفه الواصفون، وشغل المفكرين طوال هذه الأجيال أهو نهر كسائر الأنهار !خاضع لما هي خاضعة له من  النظم والقوانين !يسيل كما تسيل ويجري كما تجري؟
هذا أول سؤال سنهتم بالإجابة  عليه، ولنمهد لهذا بأن نلقى نظرة عامة على نهرنا هذا وعلى الحوض الذي يحتويه.

حوض أي نهر هو مجموع تلك الأقطار التي تغذيها مياهها وأمطارها،والتي تنحدر  من الأمطاى  أو العيون، نحو واديه جبالها وتلالها، ولو كان بعض تلك المناطق والأقطار خالي
 فإنها تحسب  من حوض النهر . لانه اذا سقطت بها امطار فستنحدر إلى واديه لا إلى وادي آخر.


ولحوض كل نهر حدو د عند أطرافه قد تكون بعيدة أوقريبة من مجراه وهي عادة جبال أوتلال مرتفعة، تفصل ما بين حوض هذا النهر بروافده وجداوله وبين حوض نهر أو
أنهارأخرى.

فحوض نهر  النيل بهذا الاعتبار عظيم المساحة يبلغ زهاء مليونين وتسعمائة من الكيلومترات المربعة، و إنا لننظر إلى خريطة النصف الشرقي للقارة الأفريقية شمال خط الاستواء
فنراها تشتمل على حوض النيل،ولا تكاد تحتوي شيئ غيره،
هو الظاهرة الجغرافية الكبرى البارزة التي تتضاءل بجانبها كل ظاهرة جغرافية أخرى، وهو الذي يصل ما بين قلب أفريقيا الحار والبحر المتوسط المعتدل، ما بين أقطار حضارتها أولية وبلاد كانت في مقدمة العالم حضارة.

ولعل أول ما يلفت نظرنا هو اتجاه مجرى النيل،ذلك الأمر اليسير الهين الذي نمر به حين نذكره،وهو مع ذلك ذو مغزى جغرافي كبير، يجري النيل من منابعه الاستوائية فيتجه نحو الشمال حتى يلقى بمائه في البحر المتوسط، ويلتزم في جريانه هذا الاتجاه الشمالي باستمرار واطراد لا يوجد نظير لهما في أي نهر آخر من أنهار العالم، ولقد ينحني مجراه 
الى الجنوب الغربي أو الشمال الشرقي، لكنه لا تارة إلى الغرب وأخرى إلى الشرق وما يلبث أن يرجع إلى الاتجاه الشمالي ثانية كأنما يسعى إلى القطب.

وحين ينصب في البحر المتوسط نرى أن مصبه عند دمياط ومخرجه من بحيرة فكتوريا، كلاهما  واقع أحدهما شمال الاخر لا  يفصلهما غير درجة واحدة من درجات الطول ، والخلاصة أن مجرى النيل من منابعه إلى مصباته – لو نظرنا إليه نظرة عامة – متجه من الجنوب إلى الشمال بنظام ليس لاي نهر آخر نظيره.

وهنالك أمر آخر مرتبط بهذه الظاهرة، وهو أن أقصى منابع النيل واقع جنوب  خط الاستواء بثلاث درجات ونصف تقريبا  ومصباته في البحر الابيض المتوسط واقعة وراء خط
عرض 31، وبهذا يكون النيل قد اخترق نحو 35 درجةمن درجات العرض ووصل ما بين بلاد متناهية الاطراف، وبرغم أن النيل ليس أطول نهر فإنه ليس في العالم نهر يمتد مجراه هذا الامتداد ويخترق هذا العدد الكبيرمن درجات العرض،ويصل ما بين بلاد متباعد بعضها عن بعض بهذا المقدار، ولهذا كان حوض النيل أطول أحواض الانهار
ولو فكرنا في هاتين الخاصتين: اتجاه مجرى النيل من الجنوب الى الشمال  وامتداد هذا المجرى من خط 30 ʹ3 °إلى جنوب 30 ʹ31 ، °لرأينا لهما نتائج خاصة:منها أن  وادي النيل لهذين السببين أصبح لا  يشتمل على إقليم واحد أو منطقة واحدة، بل عدة  أقاليم وعدة مناطق، ولننظر لنهر الامازون وطوله أربعة آلاف ميل كطول نهر النيل وحوضه أعظم من حوض النيل اتساعا، لكنه مع ذلك واقع أكثره في إقليم واحد تقريبا ومنطقة واحدة وهي المنطقة الاستوائية، أما النيل فمناطقه الطبيعية متعددة.

 النيل يجري من  الجنوب إلى الشمال،من خط الاستواءإلى ماوراء المدارين. من منطقة ذات مطر غزير إلى
منطقة جرداء عديمة المطر شديدة الحرارة، فكلما جرى النيل خطوة نحو مصبه أفقده ذلك جزء .

فظاهر إذن أن النيل لا  يجري في إقليم طبيعي واحد، بل إنه يجري في عدة أقاليم كثيرة التباين، ولسهولة دراسة هذا النهر لا بد لنا من تقسيم مجراه إلى أقسام نتناولها واحدا بعد الاخر .

فالحوض الاعلى يكون عادة في قطر جبلي مرتفع، ويكون مجرى النهر وروافده  يتدفق منه ماء النهر بسرعة واندفاع، وتكتنفه الجنادل والمساقط ويقتلع الصخور ويبريها ويبليها وينقلها من مكان إلى أبعد منه، والنهر في مجراه الاعلى يكون عادة من القوة بحيث يستطيع أن يحمل الاحجار ويلقى بها في مكان بعيد حيث يهدأ تياره، ولقد يسمون النهر في أعاليه بالسيل "Torrent ا ما يكون على شكل السيل الجارف.

أما في حوضه الاوسط فيكون النهر معتدل السرعة متوسط القوة متوسط الاتساع،ربما ينحت من مجراه الشيء اليسير؛ولكنه  لا يقوى على اقتالع الصخور الكبيرة، وقد يلقى على جانبي مجراه وفي وسطه بكثيرمن الحصى والرمل والطين الذي بات عاجزعن حمله.

أما في حوضه الادنى  فإن النهر يكون بطئ السرعةمتسع المجرى،كثير التعرج في مسيله، ينساب وسط سهول فيضية، وهذه السهول قد أنشأها وكونها النهر نفسه بما
غمر به الارض من الطمي والطين والرمال التي كان يحملها، والنهر في مجراه الادنى عاجز عن أن ينحت أو يحفر جوانب المجرى،وعدا هذا فإنه عاجز  عن أن يحمل المواد التي اتى بها من حوضه الاعلى .

وقد يسمون الحوض األوسط للنهر بالوادي "Valley "واألدنى بالسهل "Plain." هذا هو في العادة التقسيم الطبيعي لكل نهر من الانهار.

لكن محاولة تقسيم وادي النيل إلى هذه الاقسام الثلاثة ضرب من العبث؛ لان  للنيل نشأة خاصة وتاريخ يخرجانه عن القاعدة المشهورة.

وقد حاول هـ. ج. ليونز في أول كتابه عن جغرافيةالنيل
أن يقسم نهر النيل إلى  أقسامه الطبيعية: فجعل أقسام النيل على الوجه اآلتي:
1 – القسم الاعلى: مجرى السيل:من منابع النيل .
2 – القسم الاوسط: الوادي: من الخرطوم إلى أسوان.
3 –  الادنى السهل:من أسوان إلى البحر.
٤ – مجرى سهل آخر: غندكرو إلى الخرطوم.
هذا التقسيم تبدو لنا غرابته وخروجه عن المألوف لمجرد  نظرة نلقيها عليه، إذ ليس من الطبيعي أن يكون نهر من الانهار أوله سيل ثم سهل رسوبي ثم واد ثم سهل مرة
أخرى  والسهل الرسوبي فيها يسبق المجرى الاوسط ويليه
مرة اخرى، ثم ليس من المعتاد أن ينقلب النهر فجأة، كما يفعل النيل عند غندكرو، من سيل جارف إلى سهل فيضي دون أن يكون هنالك دور انتقال.
وليس هذا كل ما في ذلك التقسيم من الغرابة، بل هنالك شيء آخر نشير إليه هنا  إشارة وجيزة، وهو أننا لو سلمنا أن الحوض الاعلى لنهر النيل يمتد من منابعه العليا إلى
غندكرو، لوجدناه لا تنطبق عليه جميع المميزات والخصائص التي يتصف بها عادة المجرى الاعلى إذ كيف يتسنى لنا مثال وهو في هذه المنطقة عبارة عن مجرى متسع قد يبل غفي بعض الاماكن  ٣ كيلومترات،وهو قليل اويكاد  مجراه يكون  منعدم الانحدار .

لمزيد من المعلومات 
راجع كتاب
نهر النيل للاستاذ الدكتور . محمد عوض محمد


ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة