المشكلات السياسية المعاصرة في الوطن العربي والعالم

 

 المشكلات السياسية المعاصرة في الوطن العربي والعالم

دعونا نتطرق في هذا المقال والبحث العلمي إلى أهم المشكلات السياسية في العالم ، سواء مشكلات سياسية عربية أو غير عربية .. في محاولة لإلقاء الضوء على أهم المشكلات  والنزاعات في العالم .



أولا : المشكلات السياسية العربية 

١. النزاع الحدودي بين قطر والبحرين: 

هذا النزاع بين دولتين من دول الخليج العربي ، قطر التي تشغل شبه جزيرة تبرز في مياه الخليج لمسافة نحو 130 كيلو متر من الجنوب إلى الشمال بينما يبلغ عرضها نحو 65 كيلو مترا تتميز أرضها باستواء سطحها ولا يخل بهذا التجانس الطبغرافي سوى جبل دخان الذي يمتد كحافة صخرية على طول الساحل الغربي الذي يطل على خليج سلوى. ومياه الخليج ضحلة حول قطر تكثر بها المخاضات والشعاب المرجانية ولهذا قل أن يوجد على السواحل مكانا يصلح لرسو السفن ولذلك تقل على سواحلها الموانئ.

أما الطرف الآخر في النزاع فهو البحرين التي تتكون من الجزيرة الرئيسية البحرين ومجموعة من الجزر الصغيرة المتناثرة حولها ، وتبلغ مساحة هذه الدولة الجزرية نح ( 707) كيلو مترا . 

ويتعلق النزاع بين الدولتين بالسيادة على جزر حوار ومنطقة الزبارة وهي جزر صحراوية غير مأهولة تأخذ امتدادا طوليا وتتميز من حيث الموقع بقربها من الساحل الغربي لشبه جزيرة قطر.


وحسمت المحكمة الدولية الأمر وأصدرت في 16 مارس 2000 قرارها بإنهاء النزاع الحدودي الذي استمر لأكثر من ستين عاما بين الدولتين ونص قرار المحكمة على الاحتراف بسيادة قطر على منطقتي الزبارة وجزيرة فشت الديبل وكذلك جزيرة جنان في مقابل سيادة البحرين على جزر حوار. وقد قامت المحكمة حسما للخلافات الحدودية بينهما مستقبلا بترسيم خط الحدود بين الدولتين وقد قبل الطرفين ، قطر والبحرين بحكم المحكمة وفتحت كل منها صفحة جديدة من العلاقات السياسية الطيبة.

2- قضية لواء الاسكندرونة:

يرجع الاسم إلى الاسكندر الأكبر الذي بنى امبراطورية عظيمة الامتداد والقوة ، فقد شملت الجزء الكبير من شرقي حوض البحر المتوسط وامتد شرقا حتى نهر السند ومن الآثار التي بقيت على مر الزمن من تاريخ تلك الإمبراطورية هذه المدن الذي اختطها الاسكندر نفسه أو أقامها خلفاؤه تخليدا لذكرى فتوحاته وانتصاراته . وقد أطلق عليها جميعا اسم الاسكندر أو نسبة إلى نسبة صحيحة أو محرفة.

أما جذور المشكلة السياسية لهذا الإقليم في أقصى الطرف الشمالي للساحل الشرقي للبحر المتوسط على الحدود السورية التركية ، فإنها ترجع إلى فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى وخلال أفول نجم الدولة العثمانية التي سميت حينذاك «بالأسد المريض» والذي قامت بريطانيا وفرنسا بتقسيم أملاكه بينهما ، وهو ما تم من خلال اتفاقية سيكس بيكو عام 1916 والتي تم بمقتضاها السيطرة الفرنسية على أراضي سوريا ولبنان . كانت منطقة الإسكندرونة طوال الحكم العثماني لسوريا تابعة لولاية حلب ، وخلال الحكم الفرنسي لها بادرت فرنسا بتقسيم سوريا إلى عدة ولايات : دمشق وحلب واللاذقية وجبل الدروز.

وقد أظهرت الحرب العالمية الثانية بصفة خاصة أهمية الاسكندرونة من الناحية الاستراتيجية بموقعها على رأس خليج عميق الغور تحاوطه الجبال يجعلها حصنا دفاعيا قويا أمام هجمات الأعداء . وقد زادت أهمية الإقليم بعد ذلك بعد اكتشاف بعض الموارد المعدنية به مثل الكروم والبترول.

وإذا كانت الإسكندرونة الآن تابعة لتركيا فهي أرض سوريا بحكم التاريخ والجغرافيا وهي ميناء طبيعي لجزء مهم م الشام وهي أراضي حلب وليست حاجة تركيا لها بأشد أو أقوى من حاجة سوريا الحيوية لها . وإذا كانت تركيا تتخذ من كبر حجم الجالية التركية في الإقليم زريعة لسلبه من سوريا فإن مجموع العرب إذا أضيف المسلمين السنيين إلى العلويين والمسيحيين يفوق كثيرا عدد الأتراك هذا فضلا عن الجذور التي تثبت أحقية سوريا في أرض الاسكندرونة.

3- مشكلة الحدود المصرية السودانية:

وفقا لموقع مصر الجغرافي فقد تحددت حدودها السياسية مع ثلاث جبها تشترك في كل منها مع دولة أخرى فحدودها الجنوبية مع السودان وحدودها الغربية مع الجماهيرية الليبية وحدودها الغربية مع الجماهيرية الليبية وحدودها الشرقية في نصفها الشمالي مع فلسطين وإسرائيل ونصفها الجنوبي – ساحلها المطل على البحر الأحمر وخليج السويس . وتتباين هذه الحدود وإن تشابه في كونها هندسية التكوين والشكل – من الناحية الجغرافية من ناحية ومن الناحية السياسية ومدى توترها أو استقرارها وهدوئها من ناحية أخرى .

الحدود الجنوبية لمصر مع السودان:

يسير خط الحدود السياسية بين مصر والسودان متفقا ومنطقيا – إلى حد كبير- مع دائرة العرض 22 شمالا ممتدا من ساحل البحر الأحمر شرقا حتى جبل العوينات غربا حيث تلتقي حدود كل من مصر والجماهيرية الليبية والسودان. ويبلغ طول هذا الخط نحو 1280كيلو متر . والحد في جزئه الغربي الممتد من النيل حتى العوينات إقليم صحراوي جاف غير معمور تتناثر فيه موارد مائية محدودة تمثل محطات في طرق القوافل التي تعبر هذه الصحراء من الجنوب إلى الشمال وأشهرها طريق درب الأربعين الذي يمر في هذا الإقليم بواحة سليمة في السودان وآبار شب وأبو حسين في مصر .

أما منطقة وادي النيل حسب الاتصال الرئيسي بين الشمال والجنوب فالوادي هنا يختلف ضيقا واتساعا ومن السهل التفرقة الواضحة بين بيئته كنطاق معمور وما يليه غربا في اتجاه العوينات كما سبق الإشارة. ويمر خط الحدود هنا مخترقا وطن الجماعات النوبية التي تتواجد على طول النهر في هذا القطاع شمالا في مصر وجنوبا في السودان ، وإلى الشرق من الوادي وفي اتجاه البحر ترتفع جبال البحر الأحمر وتنحدر بشدة نحو سهل ساحلي ضيق.

هذا النطاق مخلخل سكانيا قليل العمران تعيش فيه مجموعة من الرعاة من قبئل البشارية الذين ينتشرون فوق مساحة تمتد من الأجزاء الجنوبية من صحراء مصر الشرقية وعلى طول السودان الشرقي كله وحتى الأطراف الشمالية من إرتريا. وهي قبائل رعاة رحل لا تتقيد في حركاتها الدائمة وراء الكلأ والمرعى بوجود خط الحدود لا تكاد تحس بوجوده ويشطر خط عرض 22 ، شمالا هذه القبائل . ومن أجل ذلك يمكن القول أن فشله وعجزه على أن يؤدي وظيفته كحد سياسي فاصل وحد بشري وحضاري في آن واحد.

تم تحديد هذا الخط ليكون حدا سياسيا بين مصر والسودان وفي اتفاقية باسم اتفاقية السودان التي أجبرت بريطانيا مصر على توقيعها عام 1899 وحددت مادتها الأولى أن الأراضي الواقعة إلى الجنوب من خط عرض 22 شمالا هي ما يطلق عليه السودان ، في عام 1902 أدخلت تعديلات على الحدود بدعوى خضوع القبائل التي تعمل بالرعي لإدارة واحدة مما يتيح لها حرية الحركة عبر خط الحدود السياسية بين الدولتين. وبذلك أصبح هناك ما يعرف بالحدود الإدارية إلى جانب الحدود السياسية ترتب على هذه التعديلات وجود مناطق إدارية تخرج عن خط العرض 22 شمالا .

النزاع على الحدود:

من الطبيعي في ظل الحجج والأسباب الواهية لبريطانيا في إجراء التعديلات الإدارية على الحدود الدولية أن تثور مشكلة الحدود بين مصر والسودان من وقت لآخر . وقد بدأ هذا النزاع على الحدود في عام 1958 وتحديدا في أواخر يناير من هذا العام عندما تقرر إجراء انتخابات في السودان وداخل قانون الانتخاب السوداني منطقة شمالي حلفا ومنطقة جبل علبا وحلايب ضمن الدوائر الانتخابية السودانية ، وفي نفس الوقت تقريبا كان هناك في مصر استفتاء حول وحدة مصر مع سوريا وضمت مصر هذين الإقليمين إلى دوائها الانتخابية ووصل النزاع إلى حد أن أرسلت السودان مذكرة إلى مجلس الأمن.

وقد تجدد النزاع مرة أخرى في الفترة الأخيرة ولازال الأمر نزاع سياسي قائم لم يحسم حتى الآن بين الحكومتين المصرية والسودانية كل منهما يطرح أسانيده وحجج تؤيد وجهة نظره ، وإن كانت وجهة النظر المصرية أقوى بحكم ارتباطها باتفاقية تحديد الحدود التي وقعت عام 1899 ونصت على أن خط عرض 22 شمالا هو الحد السياسي والدولي بين الدولتين. وقد بادرت مصر بإرسال قوات شرطة وأخضعت مثلت حلايب شلاتين لسيطرتها الإدارية.

4- الحدود المصرية الإسرائيلية:


يمثل خط الحدود السياسية الشمالية الشرقية لمصر في قطاعه الشمالي ، المشترك مع فلسطين وإسرائيل ، أكثر حدودها تأثرا وأكثرها إثارة لمشكلات سياسية وأكثرها توترا عسكريا . ثم تحدد مسار هذا الخط في اتفاقية عقدت عام 1906 بين كل من مصر وتركيا التي كانت حيت ذاك تسيطر على فلسطين . ويبلغ طول هذا الحد على الخرائط نحو 210 كيلو متر بينما يبلغ طوله الحقيقي على الطبيعة 256 كيلو متر نظرا لمروره ببعض المرتفعات الجبلية .

ويمتد هذا الخط بين رأس خليج العقبة إلى الشمال من طابا – جنوبا وحتى شرق مدينة رفح المصرية على البحر المتوسط شمالا. وهو خط – في معظمه – هندسي مستقيم المسار تقريبا يقطع مناطق مستوية السطح غالبا . ولا يستثنى من ذلك إلا نقطتين هما:

 منطقة طابا المطلة على رأس العقبة وحيث يتعرج الخط متتبعا رؤوس الجبال والتلال في المنطقة إلى القرب من طابا وحتى جبل الصفرة بطول يبلغ نحو 35 كيلو مترا.

منطقة جبل خروف الذي يقع في منتصف المسافة تقريبا بين طابا ورفح وهي منطقة جبلية وعرة . توجد بها عدة كتل جبلية صغيرة أهمها جبل خروف الذي يبلغ ارتفاعه نحو ألف متر . ويصل طول هذه المنطقة التي يتعرج فيها خط الحدود نحو 40 كيلو متر.

5- مشكلة الحدود بين الصومال وإثيوبيا :

ورثت الكثير من الدول الأفريقية حدودها السياسية التي رسمها الاستعمار ولم يكن لها أي دور حقيقة في ترسيمها وتحديد مسارها. وهي غالبا حدودا لا تتمشى أو تتفق مع الظروف البشرية والحضارية أو الطبيعية مما يجعل الكثير منها مصدرا لمشكلات سياسية بين دول القارة.

رسمت الحدود الإثيوبية الصومالية من خلال معاهدتين أولهما عقدت عام 1869 بين إيطاليا وإمبراطور إثيوبيا منيلك الثاني من خلالها مسار خط الحدود موازيا للساحل بعمق حوالي 180 ميلا إلى الداخل حتى يصل إلى نهر جوبا في منطقة شلال فون ديرديكن decken von der واستبعدت من هذه الاتفاقية منطقة لوق على الشاطئ الأيمن لنهر جوبا والتي كان الإيطاليون قد أقاموا بها قلعة وحصنا دفاعيا لهم مع اعتراف إثيوبيا بإقامة محطة تجارية لإيطاليا فيها مع تعهد بحمايتها من هجوم القبائل الأثيوبية.

أما المعاهدة الثانية فقد عقدت بين نفس الطرفين عام 1908 ونصت على تحديد مسار خط الحدود من ممتلكات إيطاليا في الصومال والإمبراطورية الإثيوبية بحيث يبدأ الحد من دولا عند منطقة نهر داوا Dawa وجيناليلي Genalle ويمتد شرقا متتبعا منبع ميدابا maidaba ويستمر في مساره حتى نهر شبيلي متتبعا الحدود الإقليمية الحضارية فاصلا بين مجموعة القبائل الصومالية والقبائل الإثيوبية وبذلك فإن نقطة الحدود على نهر شبيلي تكون الاتصال بين قبائل بادي آدي Baddi Addi  التي تظل تابعة لإيطاليا وإقليم القبائل فيما وراء بادي آدي ليظل خاضعا لإثيوبيا .

وقد ظهرت المشكلة الحدودية بين الصومال وإثيوبيا بوضوح كاف عقب الحرب العالمية الثانية بعد أن انتهزت إيطاليا وتحررت إثيوبيا وباشرت بريطانيا إدارة الصومال فيما عرف آنذاك بالإدارة البريطانية للمناطق المحتلة British Occupied Trriotorie Administration  واتفت بريطانيا وإثيوبيا عام 1945 على اعتبار منطقي أوجادين جزءا منفصلا عن إثيوبيا خاضعة للإدارة البريطانية وتأكد ذلك مرة أخرى في الاتفاقية التي عقدت بينهما عام 1944 مما سمح لبريطانيا بإدارة إقليم أوجادين كجزء من الصومال.

وظلت المشكلة مصدر قلق واضطراب سياسي وسببا مباشرا لقيام معارك طاحنة بين الجانبين حدثت في أعوام 1972 ، 1973 ، ثم فبراير 1977 وكذلك في عامي 1983 ، 1984. ودارت بين الجانبين الصومالي والإثيوبي مفاوضات كثيرة تحت مظلة ورعاية الأمم المتحدة التي دخلت طرفا ثالثا في هذا النزاع منذ وضع الصومال تحت الوصاية الدولية. بدأت هذه المفاوضات منذ عام 1951 وصدرت بشأنها العديد من القرارات ولكن طرفي النزاع لم يتمكنا من الاتفاق على حل .

وتتلخص وجهة نظر الطرفين في أن الصومال لا تعترف بالحدود التي رسمها الاستعمار وترتب عليها تقسيم الأمة الصومالية وترغب في حدود تلم شمل هذه الأمة، حدود تراعي العوامل البشرية والاقتصادية ورغبة الصوماليين في جمع الشتات الصومالي في دولة تتمش حدودها مع حدود انتشار وتوزيع قبائل الأمة الصومالية المتحدة في لغتها ودينها وتقاليدها وسلالتها وتاريخها حيث يضم الصومال الحالي ثلثي هذه الأمة ويوزع الثلث الباقة ما بين إثيوبيا غربا وكينيا جنوبا وجيبوتي شمالا.

أما وجهة نظر إثيوبيا فهي تقبل بحدود 1908 وترى أنها حدود دائمة يجب تثبيتها . وهي ترى أن تفريطها في إقليم هود وأوجادين يمكن أن تكون دافعا لقبائل أخرى داخل إثيوبيا على الانفصال مما يهدد الكيان السياسي الحالي لها ، ولذلك ترفض إثيوبيا تماما فكرة حق تقرير المصير للصوماليين الموجودين داخل أراضيها.

6- مشكلة أرخبيل جزر حنيش ( اليمن وأريتريا )

يتعلق هذا النزاع في بادعاءات السيادة على مجموعة من الجزر وترسيم الحدود بين البلدين في منطقة ضيقة لها أهميتها رغم أنها جزء من بحر مغلق له أهميته الكبيرة للتجارة والملاحة الدولية. ولعل ما تجدر الإشارة إليه في هذا المجال ليس مجر إثارة النزاع والمطالبة بترسيم الحدود البشرية دائما بطريقة إدارة إريتريا للنزاع والآثار المتوقعة على مصالح دولية وإقليمية.

ترجع المشكلة في بدايتها الفعلية عندما قامت إريتريا عسكريا باحتلال جزيرة حنيش الكبرى في ديسمبر 1955 مما أثار أزمة سياسية تجاوزت حدود العلاقات بين اليمن وإريتريا إلى أبعاد  إقليمية أكبر وآثار استراتيجية كان لها انعكاساتها على منطقة الأحداث. ولعل من أهم أثار ذلك أن هذا النزاع أعاد التركيز مرة أخرى على قضية المن في البحر الأحمر بوجه عام وعند مدخله الجنوبي في إقليم مضيق باب المندب بوجه خاص. ومن جانب آخر فقد أثار هذا النزاع العديد من التساؤلات عن الأهداف التي دفعت إريتريا إلى إثارة النزاع مع دولة مجاورة له كان لها دورها ودعمها الواضح للثورة الإريترية ومناصرتها سياسيا وماديا.

بدأت المشكلة تتصاعد عندما منحت اليمن الشركة الألمانية ترخيصا لإقامة مشروع استثماري ضخم لاستقلال مجموعة جزر أرخبيل حنيش سياحيا واقتصاديا مما أثار الجانب الإريتري ودفعه إلى تقديم لإنذار شديد إلى اليمن طالبا إخلاء الجزيرة وتم احتواء هذا الخلاف مبدئيا بعد الاتفاق على تشكيل لجنة وزارية لمناقشة أبعاد هذا الخلاف. وعقدت اللجنة اجتماعها في البلدين وقدم الجاني اليمني رؤيته لحل المشكلة عن طريق ترسيم نهائي للحدود البحرية بين البلدين إما عبر مفاوضات مباشرة أو تحكيم دولي أو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية.

وعلى الجانب الآخر أصرت إريتريا على ضرورة إخلاء الجزيرة واستمرت المفاوضات بين الجانبين حتى 25 نوفمبر 1995. قامت القوات الإريترية في هذا اليوم باقتحام جزر حنيش الكبرى ولكن القوات اليمنية استعادت الجزيرة في اليوم التالي وطردت القوات الإريترية . بدأ الجانبان مشاورات سياسية انتهت بتأجيل مناقشة القضية إلى نهاية فبراير 1996. ولكن عاد الجانب الإريتري مرة أخرى إلى الحل العسكري بدعم من إسرائيل وقامت قواتها بهجوم خاطف على الجزيرة أسفر عن احتلالها وأسرت الحامية اليمنية العسكرية فيها.

أما اليمن فلم يكن بوسعه آنذاك – استعادة جزيرة حنيش بالوسائل العسكرية لنقص الإمكانات البحرية المطلوبة لتنفيذ ذلك. لذلك اتجه الجانبان إلى التفاوض والوساطة الدولية لإيجاد مخرج سياسي من الأزمة وبدا الجانبان كل منهما يقدم أسانيده المعقدة لوجهة نظره وأحقيته في السيادة على الجزر.

انتهى التحكيم بتبعية جزيرة حنيش الكبرى وأربعة جزر أخرى في اتجاه الشمال الشرقي على اليمن بينما انتهى في نفس الوقت على تبعية ست جزر أخرى في اتجاه الجنوب الغربي من حنيش إلى إريتريا وبذلك يمكننا أن نقول أن المحكمة قد أرضت طرفي النزاع ومنحت إريتريا ست جزر ولذلك قبل الطرفان قرار المحكمة وأسدل الستار على المشكلة التي تم حلها بطريقة سلمية.

7- مشكلة الصحراء الغربية:

يمتد إقليم الصحراء الغربية على الحافة الغربية للصحراء الكبرى الإفريقية وتبلغ مساحتها 266 ألف كيلو متر مربع ويسكنه حوالي 76 ألف نسمة من القبائل الصحراوية ، ويطل الإقليم بساحل طويل يبلغ طوله 11235 كيلو متر على المحيط الأطلسي . وهو ساحل غني بالثروة السمكية. ولهذا الإقليم أهميته سواء بالنسبة للدولة المجاورة له أو حتى على المستوى الدولي . يمثل الإقليم بحكم موقع بين المغرب شمالا وموريتانيا جنوبا عمقا لأراضي كلا منهما ، ولذلك فهو مطمع لكل منهما وللإقليم أهمية إقليمية – أيضا بالنسبة للجزائر التي تعدن الحديد في منطقة تندوب قرب حدودها مع المغرب وإقليم الصحراء الغربية وترى في الإقليم مخرجا سهلا وقصيرا إلى المحيط الأطلسي .

وللإقليم أهميته الدولية مع قربه من جزر كناريا التي تواجهها ، هذا بالإضافة إلى قربه من مناطق غنية بثرواتها التعدينية ، البترول والحديد والفوسفات وغيره . وتتميز مشكلة الصحراء الغربية عن غيرها من المشكلات السياسية العربية، فهي ليست مشكلة حدودية تتعلق بمسار خط حدود وإنما هي مشكلة إقليم ذو مساحة كبيرة نسبيا ، وتتعدد أطراف المشكلة بشكل مباشر في ثلاث أطراف هي المغرب وموريتانيا وحركة تحريرية هي البوليساريو ويتدخل في النزاع طرف رابع بطريقة غير مباشرة وهي الجزائر التي تساند وتؤازره بطرق عديدة حركة البوليساريو.

وظل إقليم الصحراء مهملا لا يلقي أي اهتمام حتى أواخر الستينات عندما بدأت المشكلة تظهر على الساحة السياسية في هذا الجزء من إفريقيا الغربية وبدأ الصراع بين الأطراف الثلاثة ، المغرب وموريتانيا والجزائر وساقت كل منها الأسانيد والدعاوى في أحقية كل منها لضم إقليم الصحراء الغربية إليها وإذا كانت الحقوق التاريخية لموريتانيا في الإقليم أكثر وضوحا فقد كانت موريتانيا والإقليم يكونان تاريخا ما تعرف باسم بلاد « شنقيط» إلا أن موريتانيا وافقت على إجراء استفتاء يعطي لسكان هذا الإقليم الاختيار وحق تقرير المصير في أول الأمر وإن كانت قد عدلت عن ذلك فيما بعد .

وإذا كانت الجزائر لا تعلن صراحة عن مطامع واضحة لها في الإقليم إلا أنها تساند بقوة حركة البوليساريو وتؤيد حق سكان الصحراء في تقرير مصيرهم، وهي ترى أن مساندة إقليم الصحراء يضمن أن يكون لها نفوذ فيه بحكم الصداقة التي يمكن أن تربط بين الدولتين. ولعل الجزائر لا تنسى اشتباكات عام 1963 والنزاع الذي دار بينها وبين المغرب حول إقليم تندوف الغني بخام الحديد ورغبة المغرب في الاستيلاء عليه ، وهو ما يدفعها لإنهاء قضية الصحراء الغربية لصالح وجهة نظرها وهي لا تأمن للمغرب رغم اتفاق " إفران" عام 1973 على أن تتنازل عن ادعائها في إقليم تندوف.

وفي تطور لاحق عرضت المغرب في مؤتمر نيروبي عام 1981 استعدادها لإجراء استفتاء في إقليم الصحراء يقرر فيه الشعب مصيره، ومنذ ذلك الوقت ومشكلة الصحراء الغربية تشهد محاولات متعددة ومتنوعة من جانب الأطراف المشتركة فيها . وقد عجزت خلالها منظمة الوحدة الأفريقية ومنظمة الأمم المتحدة عن الوصول إلى حل يرضي كل الأطراف .وقد أثارت جبهة البوليساريو في مفاوضاتها مع  المغرب حول إجراء استفتاء لتحديد المصير أثارت مشكلة تحقيق الهوية للراغبين في المشاركة في الاستفتاء وأثارت  العديد من المشاكل حول هذه القضية.

ورغم مرور أكثر من عشر سنوات منذ إنشاء بعثة الأمم المتحدة للإعداد للاستفتاء في الصحراء الغربية ورغم الجهود الكبيرة التي بذلتها الأمم المتحدة خلال أكثر من خمس وعشرون عاما إلا أن القضية لا زالت معلقة ولم تصل إلى حل بعد.

8- مشكلة الجزر الإماراتية:

ليس للجزر الثلاث ، أو موسى ، طنب الكبرى ، طنب الصغرى ، في الخليج العربي تاريخ متميز قائم بذاته وإنما هو يرتبط بتاريخ الساحل العماني المقترن دائماً بالقواسم ، تلك القبائل العربية التي شهد لها التاريخ الحديث ازدهاراً تجلى خلال القرن الثامن عشر والعقدين الأول والثاني من القرن التاسع عشر.

ولم تكن آنذاك ظهرت إمارات الخليج العربي على الساحل العماني بعد ، فقد كانت قوة القواسم لا تضاهيها قوة في المنطقة وكانت عاصمة القواسم إمارة رأس الخيمة، ولكن في عهد الشيخ سلطان بن صقر « 1803م – 1856م » تم نقل العاصمة إلى الشارقة فتبعية الجزر كانت آنذاك إلى دولة القواسم التي تتكون من رأس الخيمة والشارقة وإمارات الخليج العربي ظهرت فيما بعد .. ثم وجدت بريطانيا في القواسم قوة مناهضة لنفوذها في الخليج العربي فعملت جهدها للإطاحة بحكمهم ، واستطاعت بريطانيا احتلال رأس الخيمة وحصون القواسم وأبرمت معهم معاهدات (1820م – 1838م – 1843 – 1853م).

بعد انسحاب بريطانيا من الخليج أطلقت إيران يدها في بعض الجزر وكانت أبو موسى إحدى هذه الجزر  المحتلة في 30/11/1971م. 

إن استيلاء إيران على هذه الجزر يعتبر أو احتلال إيراني منذ الحرب العالمية الثانية ، وبعد قيام الثورة الإسلامية توالت التصريحات من المسئولين الإيرانيين بالتأكيد على عروبة الخليج وعروبة الجزر الثلاث حيث أشار (صادق خلخالي) إلى أن الخليج العربي خليج إسلامي وإن الحكومة الإيرانية مستعدة لإعادة النظر في قضية الجزر الثلاث التي سيطر عليها الشاه في سنة 1971م وذلك لكسب الرأي العام والتأييد الخليجي للثورة الإسلامية فيها .

غير أن الحكومة الإيرانية نفت بعد ذلك هذه التصريحات حيث أشار (إبراهيم يزيدي) إلى أن حكومته لا تنوي إعادة النظر في قضية الجزر الثلاث ، وأكد أن الاسم التاريخي هو الخليج الفارسي وإن تغييره مخالف للمنطق ، ومنذ بداية هذا القرن وحتى الآن كان الصراع لا يدور حول الحقوق التاريخية والجغرافية والقانونية العربية في جزر أبو موسى الطنبين فهذه مسألة محسومة بل كان الصراع يدور حول رؤية إيران وطموحها السياسية في المنطقة.

ويقول صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة رحمه الله ، إن الوسيلة المثلى للوصول إلى تأكيد حق الجزر يكون عن طريق تقديم الأدلة والمستندات القانونية والحوار المشترك الذي يقوم على المنطق ويستند إلى روابط الأخوة والعقيدة المشتركة.

هذا ولا تزال الحكومة الإيرانية إلى يومنا هذا متعنتة في مواقفها تجاه هذه القضية ، فهي لا تريد إعادة الجزر بالطرق الودية من جهة ولا تريد الاحتكام لمحكمة العدل الدولية باعتبارها الجهاز الدولي المنوط بتسوية الخلافات وهي ما تريده دولة الإمارات ، ومعنى ذلك إن الحكومة الإيرانية مصرة على إبقاء الاحتلال قائماً قائماً حيث ستبقى هذه القضية القنبلة الموقوتة إلى ستنفجر يوماً ما ويكون وبالها على المنطقة بأسرها.

9- مشكلة دارفور:

دارفور لمن لا يعرفها هي السودان مصغرا ، لا مثيل لها أمدرمان ، حيث تصاهرت قبائل السودان واثنياته فكان المساليت والزغاوة والفور والبرتي والتمن والرقد والربنو والبرقو والفلاته بجانب التعايشة والهبانية والبني هلبة والرزيقات والمسيرية والمعاليا والزيود ، حيث لكل قبيلة دارها ودارفور هي الاسم المجازي لهذه الرقعة الجغرافية ودارفور تاريخيا هي جزء من حزام مماليك غرب إفريقيا حيث لا يمضي انضمامها للسودان المركزي المائة عام 1917 حيث أخضعها الحكم الإنجليزي المصري ، بعد سقوط دولة المهدية أن دارفور تعتبر نموذجا للتصاهر الحضاري العربي الإفريقي .

بدأت أزمات دارفور بالتدهور الأمني الناتج من الصراع التشادي والليبي ، المعروف تاريخيا أن دارفور هي البوابة الأولى للسيطرة على انجامينا منها خرج هبري ، ومنها انتصر إدريس ديبي وهذا الأخير له خصوصية أكبر حيث امتداده القبلي في دارفور ، نتيجة لهذه الصراعات انتشر السلاح الآلي في دارفور فأصبحت الصراعات القبلية التقليدية ذات كلفة عالية في الأرواح والممتلكات ، خلف هذا التدهور الأمني ظاهرة النهب المسلح وهي ظاهرة ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية ، أشعلت هذه الظاهرة حمى التسلح القبلي بين ملاك المواشي وعصابات النهب المسلح ، زاد من حالة عدم الاستقرار التغيرات البيئية المدمرة الناتجة من الزحف الصحاروي الذي ابتلع شمال دارفور مما اضطر أصحاب المواشي من التوجه جنوبا بحثا عن الماء واكلأ ، مما شكل ضغطا غير مسبوق على الأراضي الزراعية والممرات الآمنة لسير المواشي ، 

بعد استقرار الأمر للإنقاذ في المركز ، بدأت مرحلة التصرف المنهجي في دارفور ،حيث لم تشذ الإنقاذ عن سابقاتها من الأنظمة العسكرية من اعتبار دارفور مركز ، معارضتها المحتملة ، لذلك توجهت نحو دارفور كملف أمني عاجل ، فكانت أولى مهامها ضرب البنية التحتية للمجتمع الدارفوري حتى يسهل تفكيكه وإعادة تشكيله من جديد من خلال سياسة الاستقطاب والتصفية ، فكانت العقبة الأولى أمام هذه السياسة هي الإدارة الأهلية الت تعد الانقاذ في ولائها لحزب الأمة ، فبدأت خلخلتها بخلق عموديات ونظارات جديدة ، وابتدعت الانقاذ القاب جديدة كلقب (الأمير) الذي منحته السلطة صلاحيات واسعة مقابل النظار والشراتي وقيادات الإدارة الأهلية لتقليدية غير المرغوب فيهم .

وبهذا التصرف خلخلت الانقاذ أولى ركائز الاستقرار في المجتمع التقليدي وهي القبيلة ومؤسساتها ، فبدأت في صناعة رموز جديدة لهذه القبائل لكنها صناعة تايوانية لا أرض قطعت ولا ظهرا أبقت ، فوقع الانقاذ في تناقضه الأساسي العمل على تفكيك الإدارة القبلية ، وفي نفس الوقت جعل القبيلة أداة التوسل للسلطة في غياب الأحزاب السياسية ، فاختلط حابل القبائل بنابلها ، وانفلتت الأعراف والتقاليد القبلية وأصح المارد القبلي غير محكوم أو مشكوم بحكمه وحنكة قيادات الإدارة الأهلية فانقلب السحر على الساحر حتى صاح أدركوني قد هلكت بما صنعت يداي .

وقد تفاعل هذا الواقع مع الأزمة الاقتصادية الطاحنة ، والجفاف والتصحر وانتشار السلاح الآلي وغياب الشرعية الديمقراطية حتى أصبح المواطن في دارفور يتحدث عن النهب المسلح الذي تقوم به العصابات والنهب المسلح الذي تقوم به الدولة ، هذا الواقع في دارفور أفرز التالي :

تمرد داؤود بولاد :

بولاد من كوادر الجبهة القومية القيادية في دارفور ، لقد حظيت بمقابلته عليه رحمة الله في أديس أباب عام 1990 م فقد اجتمعنا به أنا والأخ د . صديق بولاد ممثلين لمكتب حزب الأمة وتناقشنا نقاشا مستفيضا حول فكرة تمرده بحضور اثنين من معاونيه ، فقد كان واضحا لي حجم المرارة التي كن يحملها بولاد على قيادات الجبهة القومية وتهميشهم لأبناء دارفور وعدم احترامهم للقيادات والنزيه ، فالأخ بولاد عليه رحمة الله يمتاز بسخرية التعبير عن الأشياء ، فقد تحدث باستفاضة لاذعة عن د . حسن الترابي وفقه الاستلطاف فهو يعتقد أن هذا الفقه هو المتحكم في تولي المناصب والمسئوليات في الانقاذ .

التمرد الحالي في دارفور:

ما يحدث الآن في دارفور هي حالة انفلات أمنى صادف سخط جماهيري وأزمة سياسية مركزية ، في ظل ظروف تحول سياسي مرتقب ، قاد إلى تطلع مجموعة من أبناء دارفور محمولة بمرارات قبلية وقومية ، حاولت التعبير عن ذاتها بالكيفية المعلنة ، لذلك جاءت شعارات الحركة مضطربة المناخ السياسي العام في البلاد ، ما حدث في دارفور يمكن أخذه كإنذار جاد يعلن عن وصول الأوضاع هناك إلى مرحلة الخطر، يجب أن يتم التعامل مع هذا التمرد بالمسئولية والحساسية الأزمة من قبل الحكومة وحزب الأمة على وجه الخصوص وقيادات دارفور الفاعلة من مثقفين وادره  أهليه على أن يتم احتواء هذا التمرد بإجراءات سياسية واضحة تطمئن أهل دارفور على مستقبلهم في إطار السودان الواحد.

10- المشروع الإمبراطوري الأمريكي والمقاومة العراقية

المشروع الامبراطوري الامريكي ليس بجديد، انه يعود لبنية النظام الاقتصادي والسياسي التوسعي منذ نشأة الولايات المتحدة الامريكية. وأن دورها الاول والاخير، حسب توماس بارنيت، أبرز محلل استراتيجي في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، ، ليس المبادئ ولا القيم، بل نشر العولمة الرأسمالية وفرضها بقوة السلاح في كل انحاء  العالم”.  

وتكشف جون بيلامي فوستر، استاذة علم الاجتماع في جامعة اروجون، في كتابها  “بوكس امريكانا، عن الوجه القبيح لهذه الامبراطورية قائلة: مع تزايد عدد الضحايا في صفوف العراقيين، والجنود الامريكيين ، ومع الجرائم الفظيعة والتعذيب، التي ارتكبتها الولايات المتحدة في سجن ابوغريب، وفي غيره، ما أدى الى احتجاجات كثيرة في انحاء العالم، ومع بربرية ووحشية التدخل الامريكي في العراق بكل جوانبه الآخذة في الانكشاف والوضوح شيئا فشيئا، اصبح صعبا اكثر من اي وقت مضى الاحتفاظ بوهم “الامبريالية السخية التي تمارس من خلال الباكس امريكانا”. الذي يعني سيادة السلام والاستقرار في ظل امبراطورية امريكية. 

وارادت امريكا ان تعلن للعالم عن مولد امبراطوريتها الحقيقي ( بتحرير العراق)! ورسمت لجعل العراق جوهرة تاج الامبراطورية الامريكية، كما كانت الهند جوهرة التاج البريطاني. ولكن حسابات الحقل ليست كحسابات البيدر كما يقولون. زمجرت المقاومة العراقية الباسلة ليلة أسر بغداد الحبيبة، بوجه الامبراطور الذي نشر ريشه كالطاووس، وأذا بأبناء العراق الشرفاء يتحولون الى سيوف بتارة وخناجرة خارقة تنهال على رؤوس جنوده ومرتزقته وتنهش اجسادهم، وأثخنوهم جراحا على مدى عامين كاملين.. وسحنت المقاومة أمريكا وجيشها الامبراطوري الى المستنقع العراقي الذي لاقرار له، ومن يومها تغوص فيه رويدا رويدا ولاتفيدها صراخها وطلب النجدة من الامم المتحدة واوربا التي تنكرت لها. 

المشكلة العراقية

المحمية الشيعية - تجديد لمشروع التقسيم الطائفي في العراق - ماجد أحمد السامرائي يتردد هذه الايام مجددا بين اوساط بعض الجماعات العراقية المعارضة خارج العراق شعار الدعوة الي اقامة محمية امريكية في جنوبي العراق تحت عنوان حماية (الطائفة الشيعية) وليصبح هذا المشروع حسبما تراه تلك الجماعات وسيلة لوجستية بيدها وبحماية القوات المسلحة الامريكية ووفق عمليات (حرب عصابات) ضد قوات الجيش العراقي ومؤسسات الدولة الامنية والاستراتيجية للوصول في النهاية الي القصر الجمهوري في بغداد..

ان الارضية السياسية الحالية التي ينطلق منها دعاة (الكانتونة الشيعية) وهي وقوع الازمة العراقية الناتجة عن اجتياح الكويت عام 1990 تحت مقدرات الولايات المتحدة لا تبرر وقوع اية مجموعة او تشكيلة سياسية ما زالت في طور العمل السري تحت احكام هذا التدويل، لان في ذلك اعطاء مشروعية للوصاية الامريكية علي حاضر ومستقبل العراق، وان سوق امثلة لسياقات العلاقة الامريكية مع انظمة سياسية ودول ذات سيادات في العالم العربي، او في تشبث منظمة التحرير الفلسطينية في الحلقة الراهنة من نضالها لاستخدام النفوذ الامريكي من اجل الحصول علي حقوق شعب فلسطين في التحرر من الاحتلال الاسرائيلي والحصول علي الدولة المستقلة، امر لا يتطابق والحالة العراقية، وان مثل هذه التبريرات تعبر عن ديمغوجية وسذاجة سياسية من الصعب تمريرها علي الرأي العام الشعبي العراقي. 

ومخاطر مشروع المحمية الشيعية ستقع علي ابناء الشيعة قبل غيرهم، كما انه عملية مقصودة من الامريكان واصدقائهم من العراقيين، غرضها قتل مشروع (حكم العراق كله تحت راية الحكم الشيعي) ومنحهم جزءا قليلا من الرقعة الجغرافية لا توجد ضمانات للحفاظ عليها في ظل المتغيرات السياسية، ولهذا فان المشروع يواجه مقاطعة ورفضا من قبل العديد من القيادات السياسية الاسلامية الشيعية العراقية.

المشروع يشكل مفتاحا لبداية افغنة العراق ويفتح ابواب حرب اهلية علي اساس خارطة التقسيم الطائفي ويعرض الشعب العراقي الذي تحمل ما لا يتحمله شعب في التاريخ المعاصر بسبب حصار الخارج والداخل، ومؤسسته العسكرية والحزبية الي نار الاقتتال، وحين ينشب الحريق ستكون الدعوة الي اخمادها تعني القبول باحلال مشروع التقسيم الطائفي والعرقي كحقيقة واقعة. وهذا ليس سيناريو للترهيب بقدر ما هو قراءة للآلية الوحيدة التي تحكمه للتنفيذ.

11- مشكلة الخليج الثانية:

ظلت منطقة الخليج منذ أن خرج منها الاستعمار البريطاني منطقة حساسة بالنسبة للحسابات الإستراتيجية الأميركية، وكانت حرب الخليج الثانية إحدى المحطات التي تبين جانبا من طبيعة التدخل الأميركي في هذه المنطقة.

أسباب الحرب

كانت الولايات المتحدة تتخوف من السياسة العراقية في المنطقة خاصة بعد خروج العراق شبه منتصر في حرب الخليج الأولى ضد إيران، ثم إن العراق قد امتلك خبرات علمية وعسكرية صناعية قد تقوده في المستقبل إلى امتلاك برنامج تسليح مهم يهدد المصالح الأميركية في نفط المنطقة وأمن إسرائيل. 

وقد برز إلى السطح توتر علاقات العراق بالكويت خاصة في مايو/ أيار 1990 حين شكا العراق الكويت بسبب زيادة إنتاجه النفطي على الحصة المقررة من طرف أوبك. 

الحرب.. أطرافها ومدتها

سارعت الولايات المتحدة إلى بناء ائتلاف يتجاوز حلفاءها في أوروبا ليشمل روسيا وبعض الدول العربية ودولا أخرى. وكانت حصيلة التحالف:

38 دولة 

750 ألف جندي 

3600 دبابة 

1800 طائرة 

150 قطعة بحرية.

استغرقت الحرب 40 يوما من 17 يناير/ كانون الثاني حتى نهاية فبراير/ شباط.

وتم إلقاء أكثر من مائة ألف طن من المتفجرات على العراق بما في ذلك مئات الأطنان من ذخائر اليورانيوم المخصب.

خسائر الحرب

خسر العراق:

أربعة آلاف دبابة. 

3100 قطعة مدفعية. 

240 طائرة. 

1856 عربة لنقل القوات. 

ما بين سبعين إلى مائة ألف قتيل في صفوف الجنود. 

30 ألف جندي عراقي أسير.

الحصار

استصدر مجلس الأمن الدولي مجموعة من القرارات وخاصة القرار 661 (1990) والقرار 665 (1990) والقرار 670 (1990) والتي حولت نظام العقوبات إلى حصار شامل. 

وكانت نتيجة الحصار:

انخفاض الناتج المالي الإجمالي في العراق إلى ما لا يزيد على ثلث المستوى الذي بلغه قبل عام 1991. 

تدمير البنى التحتية الاقتصادية والصناعية للعراق بواسطة القصف الأميركي البريطاني المستمر. 

موت أكثر من مليون طفل عراقي دون سن الخامسة نتيجة مباشرة للحصار. 

وفضلا عن قرارات الأمم المتحدة وما نجم عنها من حصار فإن الولايات المتحدة وبريطانيا فرضتا مناطق حظر جوي دون الاستناد في ذلك إلى المنظمة الدولية فظلتا تقصفان العراق وتراقبان مجاله الجوي.

حوالي 170.000 طفل دون الخامسة يموتون في غضون كل سنة واحدة نتيجة لظروف سوء التغذية وضعف الخدمات الصحية التي خلفها الهجوم العسكري والحصار المستمر.

12- الحرب الإثيوبية – الإريترية:


في الثالث عشر من شهر مايو 2000 تجدد القتال وبصورة حادة على طول الجبهة العربية للحدود الإثيوبية والإريترية حيث وصلت حشود الدولتين في الأسبوع الأول للقتال إلى ستمائة ألف مقاتل ليبدأ فاصل جديد وعنيف في الصراع الحدودي  الذي بدأت شرارته الأولى منذ عامين وتحديدًا في السادس من مايو عام 1998 حينما تبادلت الدولتان الاتهام بانتهاك الحدود، التي سرعان ما تحولت إلى مواجهات عسكرية ظلت تتصاعد حينًا وتخبو حينًا آخر إلى أن وصلت إلى ما نعتقد أنه ختام ذلك الفصل من فصول العلاقات بين البلدين في ضوء مؤشرات الحسم الإثيوبي للحرب عسكريًّا. 

تشير الأبحاث التي تشهدها منطقة القرن الأفريقي إلى استمرار سلسلة الانشقاقات والخلافات التي عانت منها دول المنطقة داخليًّا وإقليميًّا عبر تاريخها، الأمر الذي جعل التنافس والصراع هما السمة الغالبة على شبكة العلاقات الداخلية والإقليمية لدول هذه المنطقة، يعبر عن ذلك اختلاف الهويات الثقافية الوطنية الرسمية لهذه الدول ما بين العروبة والأنجلوفونية والفرانكفونية والصومالية والأمهرية والتيجرينية..واقتصارًا على دولتي الصراع نجد أن إريتريا ما زالت تراوح مكانها فيما يتعلق بتحديد هويتها من حيث صعوبة تحديد تلك الهوية في ظل الميراث التاريخي للحركة الوطنية الإريترية والتركيب الإثني والديني بها .

    أما إثيوبيا فقد ظلت تصنف نفسها حتى منتصف الخمسينيات على أنها دولة شرق أوسطية إلا أنه مع تزايد موجة استقلال وتحرر الدول الأفريقية أخذت إثيوبيا تعلي من هويتها الأفريقية، وعلى الرغم من ذلك ظلت السمة الغالبة هي هيمنة جماعة الأمهرية على السلطة والحكم حتى مطلع التسعينيات حينما حلت القومية التيجرانية محل الأمهرية في السلطة، وعلى الرغم من موجة التفاؤل التي صاحبت ذلك التغير فإنه سرعان ما تبددت تلك التوقعات والآمال مع تصاعد التوترات الداخلية يبن القوميات المكونة للمجتمع الإثيوبي وفي مقدمتهم قومية الأورومو والقومية الصومالية بالأوجادية وكذلك القومية الأمهرية لعدم رضائها للتراجع النسبي لمكانتها في المجتمع. 

        في ضوء الأوضاع الاقتصادية والسياسية المتردية لدول منطقة القرن الأفريقي وقف الكثير من المراقبين في حيرة أمام الحرب الإثيوبية الإريترية على الحدود بينها، التي نشبت من جراء ادعاء كل طرف اعتداء الطرف الآخر واستيلائه على أراضي تابعة لإقليم المدعي، وقد نبعت دهشة المراقبين من واقع الحرب التي جاءت في ظل تطورات ومستجدات شهدتها ساحة القرن الإفريقي، وكانت تشير في مجملها إلى تقارب بين النظامين الحاكمين في كل من أديس أبابا وأسمرة وصل إلى درجة الوقوف المشترك ضد النظام السوداني ودعم القوى المعارضة له، رغم اختلاف منطلقات كل طرف وأسبابه في ذلك، باستثناء إعلانهما الخشية من محاولات النظام السوداني في التسعينيات تصدير الأصولية الإسلامية إليهما ودعمه لقوى المعارضة بالدولتين. 

علاوة على ما سبق، جاء نشوب الحرب بين إثيوبيا وإريتريا في أعقاب الزيارة الفريدة التي قام بها الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في مارس 1998 للقارة واجتماعه مع رؤساء دول وحكومات شرق ووسط وجنوب القارة، وهي الزيارة التي استهدفت من بين ما استهدفت ترتيب الأوضاع في منطقة شرق إفريقيا وتوزيع الأدوار على اللاعبين الأساسيين وفي مقدمتهم إثيوبيا وإريتريا؛ ولذا مثلت الحرب الحدودية بين هاتين الدولتين خروجًا على مقررات السياسة الأمريكية بالمنطقة ودفعت للتساؤل عن أسباب الحرب؛ والواقع أنه بعيداً عن الحجج القانونية التي طرحها الجانبان للدلالة على أحقية كل منهما بالمناطق موضع النزاع، فإن الشاهد أن الميراث التاريخي للعلاقات بين البلدين والطموحات الآنية للقيادات قد لعبا دوراً حيويًّا في تأجيج الصراع واستمراره ثم انفجاره على النحو الذي شهدته المنطقة. 

   ختاماً: تلقي تطورات الأحداث في القرن الإفريقي بصفة عامة والحرب الإريترية خاصة بظلال من الشك على مدى مصداقية الحديث عن آليات إقليمية للتدخل من أجل فض وتسوية المنازعات، ناهيك عن منعها قبل حدوثها حيث تشير الأحداث إلى الإخفاق التام لتلك الأدوات. إضافة إلى ذلك تؤكد وقائع الحرب الإريترية الإثيوبية أن جهود الوساطة فيما يتصل بالنزاعات الحدودية لا تفيد كثيراً في التوصل إلى تسوية نهائية للنزاع بقدر ما تؤدي إلى تهدئة الموقف ووقف القتال دون حسم أو علاج للأسباب الحقيقية للنزاع على نحو يتيح الفرصة لتفجر النزاع من جديد، كما أن تعدد وتزاحم الوسطاء والمبادرات يؤدي إلى تأخر الوصول إلى تسوية في ظل رفض كل طرف المبادرة التي لا تروقه انتظاراً لمبادرة أفضل تحقق قدراً أكبر من مطالبه، أو تحينًا للفرصة الملائمة لحسم الصراع عسكريًّا، وإجبار الطرف الآخر على قبوله على نحو ما تثير أحداث الحرب الإريترية الإثيوبية. 

ثانياً : مشكلات غير عربية

1- المشكلة الجورجية:


فجورجيا تشغل واحدًا من أهم المواقع على الخريطة الجغرافية السياسية للعالم المعاصر. فعلى الرغم من صغر مساحتها التي لا تزيد إلا قليلاً عن مساحة شبه جزيرة سيناء (70.000 كم2) وعدد سكانها البالغ نحو 5.5 ملايين نسمة، وأراضيها التي تشغل الجبالُ منها نسبة عظمى، فإنها تحتل موقعًا فريدًا بين البحر الأسود وبحر قزوين في إقليم، من أكثر الأقاليم أهمية – على المستوى السياسي والاقتصادي، هو إقليم القوقاز. 

وفيما بين القرن الرابع عشر والثامن عشر وقعت جورجيا مسرحًا لغزوات تركية وفارسية، وبدا أن نهاية القرن الثامن عشر قد حملت استقرارًا وهدوءًا في ظل عقد الاتفاقية الروسية -الجورجية في 1783 لضمان استقلال جورجيا. 

ولكن هذا الهدوء لم يكن أكثر من هدوء سبق عاصفة ضم روسيا القيصرية لجورجيا مع بداية القرن التاسع عشر، وباعتبارها جزءًا من الإمبراطورية الروسية متعددة الأعراق، لم يتخل ممثلو الشعب الجورجي عن الفكر الداعي إلى استقلال جورجيا عن الجسد الروسي وسيادتها. 

وخلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر كان هناك توجه متزايد الوضوح لبعث الوعي القومي للشعب الجورجي. 

وانتقلت الحركة القومية الجورجية نقلة نوعية في صراعها لنيل الاستقلال مع نشوب الثورة البلشفية في 1917. 

وفى يناير 1921 حصلت جورجيا على اعتراف قانوني من قبل دول التحالف - وإن لم تحظ بعضوية في عصبة الأمم، وسرعان ما أصدر ستالين أوامره بدخول الجيش الأحمر جورجيا في 1921. 

وفي نهاية الثمانينيات تحركت المياه الراكدة، واستطاعت جورجيا – بعد مسلسل متوالي الحلقات من الأحداث الدرامية - أن تكون ثاني جمهورية (بعد لاتفيا) تُعلن رسميًّا في 9 أبريل 1991 عن استقلالها التام عن الاتحاد السوفيتي. 

ومنذ الاستقلال تعيش جورجيا مرحلة انتقالية من تاريخها بعد نحو سبعة عقود من النظام السوفيتي، سبقتها عقود طويلة من القبضة القيصرية. 

ملاحظات حول التدخل الأمريكي في جورجيا

أُعلنت الأسباب الظاهرية التي تقف خلف إرسال قوات أمريكية إلى الأراضي الجورجية وكان أهمها: 

- تعقُّب أكثر من سبعة آلاف مقاتل من تنظيم القاعدة فروا إلى جبال القوقاز، إضافة إلى تقديم الدعم الفني والتدريب للقوات المسلحة الجورجية. 

وبصرف النظر عن هذه الأسباب المعلنة، فإننا - إذا ما راجعنا الظروف الجغرافية والسياسية المرافقة لخطوة إرسال القوات الأمريكية إلى جورجيا في خضم الأحداث الجارية - لا يمكن أن نغفل الحقائق التالية:

يأتي التطلع الجورجي إلى التعاون مع الولايات المتحدة في ظل مشكلات اقتصادية عديدة تواجهها الدولة، فقد استتبع انسلاخ جورجيا عن الشيوعية وامتلاك ناصية استقلالها عديدًا من المشكلات العسرة.. وكان على رأس هذه المشكلات ضرورة البحث عن طريق يضمن لها تحولاً آمنًا من الاستقلال القانوني إلى الاستقلال الفعلي، وارتبط بذلك ما حملته جورجيا على عاتقها من موروثات النظام القديم، والمشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي طفت فجأة على السطح. 

أن هذه الخطوة تأتي وروسيا ترصد الاقتراب الأمريكي من بحر قزوين – الخليج العربي الجديد - بثروته وأهميته الجغرافية السياسية. 

أن واحدًا من أهم احتمالات مد أنابيب النفط والغاز الطبيعي من بحر قزوين إلى السوق العالمي هو مدها من باكو في أذربيجان إلى جورجيا، ومنها عبر البحر الأسود إلى البحر المفتوح والسوق العالمي. 

أن هناك تناقضًا واضحًا في المواقف المعلنة، تتلون فيها التصريحات بحسب طبيعة المشهد السياسي. 


وشدد شيفرنادزة على أن الوضع في بانكيس يماثل الوضع في إقليم أبخازيا الجمهورية المعلنة من جانب واحد في جورجيا على البحر الأسود. 

وأضاف أن الوضع في جورجيا صعب للغاية ويستدعي تدخل قوات أجنبية تمتلك الخبرة‏.‏ 

و‏يبدو أن الأسباب الخفية للخطوة الأخيرة بإرسال قوات أمريكية إلى الأراضي الجورجية أكثر من أن تحصر في هذه الملاحظات، إلا أن الثابت أن هذه الخطوة أعقد من أن تُشبّه بإسقاط أكثر من عصفور بحجر واحد.

2- مشكلة الشيشان:

   لقد كتب عن الحرب الروسية الشيشانية الكثير، بدءاً من شبه الحقيقة وانتهاء بالأوهام والكذب الصريح، ولهذا فإنه من الصعب إدراك أسباب وأهداف هذه الحرب ليس فقط للجمهور البسيط وإنما للمثقفين والمتمرسين في السياسة. وغالباً ما يتكرر الرأي القائل إن تلك الحرب كانت "تجارية" لوجود مصالح نفطية، وأن قيادات "المافيا" أرادت أن تفتح بها ثقبًا أسود لنهب أموال الدولة. هذه الآراء والظنون لها مشجعوها حتى اليوم، ولكنهم لا يريدون إنارة حتى الجزء الواضح من الجبل العائم.

وفي هذه الحرب يوجد مخطط ومنفذ وضحايا، ولن ندرك حقيقة الحال إذا اعتبرنا أن حزب الحرب في الكرملين هو المذنب الأساسي، فهو لم يلعب الدور الأول في هذا الصراع.  إن التحالف الغربي هو مخطط هذه الحرب ممثلاً بالسبعة الكبار، أما منفذو ذلك المخطط فيقسَّمون إلى مجموعتين أساسيتين؛ الأولى: من الديمقراطيين المنتسبين إلى حزب الحرب، ووسائل الإعلام الداعمة لهذه الحرب باعتبارها أكبر جهة مؤثرة. أما المجموعة الثانية: المنفذة فهي القسم الأكبر من الجنرالات الذين يقومون بخدمة الديمقراطيين. 

والطرف الروسي لم يسمح بإنهاء الحرب، فهو يتبع سياسة عدم منح الاستقلال للشيشان بأية حال في نفس الوقت الذي يعيق فيه التكامل مع بيلاروسيا أو مع دول الكومنولث الأخرى، وهذه القاعدة ستطبقها القيادة السياسية في روسيا أياً كان اتجاهها لأنه تخطيط المنتصرين في الحرب الباردة. وتتركز أهداف المخططين على إبقاء نقطة ساخنة على أرض روسيا الاتحادية، وحتى هذه اللحظات نجحت هذه الخطة في بعض دول الكومنولث بمساعدة الجيش الروسي. وقد رأى الجميع أن موسكو تريد أن تمسك بزمام الأمور في دول الاتحاد السوفيتي السابق، ولكن لسبب ما نرى أن أمريكا والدول الأوربية هي التي استفادت من ثمار تلك الصراعات، أما موسكو فواصلت سياسة الإملاء والمعاداة مع الأقاليم المختلفة. 

وبعد محادثات طويلة تم توقيع اتفاقية السلام، وبهذا لم يترك السياسيون الروس آمالاً لحل هذه القضية عن طريق القوة. فبدا لهم أنهم يتصرفون بشكل أكثر ذكاءً من غراتشيوف. فعلى الرغم من توقيع تلك الاتفاقية فإن الشيشان وقعت في حصار اقتصادي وسياسي وإنساني، وقام جهاز الاستخبارات الروسي بصرف مبالغ ضخمة لتسليح مجموعات إجرامية في الشيشان وداغستان [إشارة إلى محاولات موسكو إيقاع الفتن بين الشيشانيين عن طريق عملاء للمخابرات الروسية التي دعمت مجموعات إجرامية قامت بأعمال إرهابية للصقها بالمقاتلين الشيشانيين]، ولم تتوقف الطائرات الحربية الروسية عن خرق المجال الجوي الشيشاني، وشن الروس حرباً نفسية ضد الشيشان بعرض القوة والاستخفاف بحقوق الإنسان؛ كما حدث في محاكمة امرأتين شيشانيتين بسيطتين في مدينة ستافروبل. 

وبدأت موسكو بإطلاق تصريحات حول "نزعة الانفصال" وأنه من المستحيل التفريط في وحدة الأراضي الروسية وأن كل شيء محكوم بالدستور الروسي. إنني متشائم من مستقبل العلاقات الروسية الشيشانية، وأرى أن القيادة السياسية لروسيا غير راغبة باستقرار الوضع لا في منطقة القوقاز ولا في روسيا. على كل حال فإن كل هذا عائد للأزمة الطويلة التي وقعت فيها روسيا وبقية الدول الاشتراكية السابقة، وحتى لو لم يتدخل الغرب لتجزئة روسيا فإن تفكيكها واقع لا محالة لعدم وجود فكرة منقذة مقبولة في دولة متعددة (القبائل). 

وهكذا فإن صراع الشعب الروسي من أجل نهضته القومية والمكانة اللائقة في السياسة العالمية هو صراع محتوم، مع أنه يوجد في روسيا عقول تبحث وتفكر بشكل صحيح، وقد توصلت إلى هذه النتيجة بعد أن اطلعت على محاضرات الجنرال بيتروف، وقرأت أعمال ميخائيل كروغوف اللذين رأيا أن التحالف مع العالم الإسلامي وليس محاربته يمكن أن يخرج روسيا من أزماتها التاريخية. ولكنني هنا أوصي بما هو أكبر من ذلك : إن على روسيا ذنب أول دولة ملحدة في العالم، وهي قد قالت عام 1917م : "لا إلـه" وبقي أن تضيف كلمتي "إلا الله" ليتم إنقاذ روسيا .

3- مشكلة كشمير:

يلفت النظر في التصريحات الصادرة عن الرئيس الأمريكي "جورج بوش" -أثناء وجوده في ألمانيا ثم في فرنسا- توجيه الحديث إلى باكستان عندما يطالب بالتهدئة واتخاذ الخطوات اللازمة لمنع نشوب الحرب، رغم أن الحشود العسكرية بدأت من جانب الهند، والتهديدات بالحرب تصدر عنها، وأن التصعيد الأخير عبر سلاح البحرية كان من جانبها، وأنها حتى الآن -على النقيض من باكستان- ترفض الوساطات المعروضة من جانب الأمم المتحدة.

ولا ينبغي الفصل بين هذا الموقف الأمريكي المنحاز بوضوح والإطار الذي تتحرك فيه السياسة الأمريكية في المنطقة تحت عنوان "الحرب ضد الإرهاب". فمنذ أن بدأت هذه الحملة بدأت معها الاتصالات بباكستان للوصول إلى الأجواء والأراضي الأفغانية، كان التلويح بورقتين رئيسيتين للضغط، وهما: السلاح النووي -مما يعني الوقوف إلى جانب الهند لإعادة الخلل في التوازن العسكري بين الطرفين-، وقضية كشمير.

وقد استجابت حكومة برويز مشرف للرغبات الأمريكية رغم المخاطر الداخلية والإقليمية، ومع ذلك لا يزال "تصعيد" المطالب باسم مكافحة الإرهاب من جذوره مستمرًّا، وبدأت تلوح في الأفق مؤخرًا معالم وصول حكومة مشرّف إلى مرحلة الإحساس بخطر السقوط إذا استمرت في الاستجابة دون حساب.. وهو ما انعكس في بعض المواقف السياسية والعسكرية، لعلَّ أبرزها مؤخرًا رفض عبور القوات البريطانية للأراضي الباكستانية، حتى اضطرت إلى استخدام طريق الجو في الحشد العسكري للحملات الأخيرة في شرق أفغانستان.

ومن لا يعرف كشمير (أو كما يقول اسم المقاطعة بكاملها: جامو وكشمير)، ولا يعرف أوضاعها عن كثب، ولا يتابع أنباء أحداثها المأساوية اليومية ما بين تقتيل، وتدمير، ونهب، وسلب، واغتصاب للنساء المسلمات، وتعذيب للمعتقلين، وحرق للحقول والمزارع، وإتلاف للمحاصيل… من لا يعرف ذلك ولا يتابعه يكفي أن يتصوّر المعادلة التالية:

مساحة كشمير بمجموعها 222 ألف كم مربع تقريبًا، تحتل الصين جزءاً منها وتحتل الهند ما يعادل 100 ألف كم مربع تقريبًا، وفي هذه المساحة الضيقة نسبيًّا (أكبر من الأردن بقليل) التي تحتلها الهند، يعيش أقل من 8 ملايين نسمة، من بينهم زهاء 6 ملايين و500 ألف مسلم، وقد نشرت الهند أكثر من 800 ألف جندي هندي، أي ما يعادل جنديًّا لكل عشرة أفراد من سكانها، أو لكل ثمانية أفراد مسلمين من السكان. وليس المقصود بهذا التعبئة التي جنَّدت المزيد بأعداد ضخمة خلال الأسابيع والشهور القليلة الماضية، بل يمثل الرقم المذكور الوجود العسكري الهندي الدائم في أرض كشمير!.

وليس مجهولاً أن الحملة الأمريكية -التي بدأت باسم "مكافحة الإرهاب العالمي"- أدَّت في المنطقة إلى التركيز على منظمات المقاومة الكشميرية التي ظهرت على الساحة في التسعينيات الميلادية، وبدأت بتأسيس "حزب المجاهدين" عام 1989م، ثم ظهر إلى جانبها منظمات أصغر بلغت في هذه الأثناء بضع عشرة منظمة، يلتقي معظمها في نطاق ما يسمى "مؤتمر حريات كشمير".

ومنذ بدأت هذه المرحلة من مقاومة الاحتلال الهندي، سقط أكثر من 32 ألف ضحية، كان معظمهم من المدنيين من السكان، ونتيجة عمليات فتك وقمع انتقامية هندية لا تكاد تختلف في وحشيتها وأساليبها في قليل أو كثير عما تصنعه القوات الإسرائيلية بعامة السكان من المدنيين من أهل فلسطين، قصفًا وتدميرًا، بزعم الرد على عمليات المقاومة المسلحة، مهما كانت أهداف المقاومة ونتائجها.. 

والمطالبة بحل وسطي في كشمير كبديل عن الاستقلال وحق تقرير المصير -كالمطالبة بحلول وسطية في فلسطين بعيدة عن التحرير الكامل، وحلول وسطية في الشيشان.. وكوسوفا.. وجنوب الفليبين.. وسواها من المناطق الإسلامية- تلتقي عند قاسم مشترك أعظم هو التقاء القوى الدولية على انتهاك الحقوق الإسلامية الثابتة تاريخيًّا، والمشروعة دوليًّا في هذه المناطق. وهو ما يتبين سريعًا عند المقارنة مع التعامل الدولي المعاكس في مثل قضية تيمور الشرقية وفصلها عن إندونيسيا.

ومن أكبر الأخطاء التي نرتكبها في المنطقة الإسلامية إزاء ذلك خطأ الفصل بين هذه القضايا، والتعامل مع كل منها بمعزل عن الأخرى، وربط العلاقات بالقوى الدولية بأرضية مصالح ثنائية بدلاً من المصلحة العليا المشتركة، وبظروف إقليمية أو محلية بدلاً من النظرة "الإستراتيجية" الشاملة، والمضي في سياسات التفرقة والنزاعات والخلافات، المانعة من تحقيق الأهداف الجزئية والأهداف المشتركة على السواء.

author-img
كوكب المنى

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent