الأوراسية... أو إمبراطورية "المخ والعضلات" !

 الأوراسية... أو إمبراطورية "المخ والعضلات" !



شاهدت تقريرا على فضائية عربية ذائعة الصيت يقول إن سياسات بوتين في أوكرانيا وشرق أوروبا تأتي تنفيذا للعقيدة الأوراسية. ولأن التقرير بهذا الشكل يخلط العلم بالسياسة فلابد هنا من وقفة توضيحية.


🔹 كلمة أوراسيا هي جمع لاسم قارتي أوروبا وآسيا. ودعونا نتذكر أنها صيغت هكذا من وجهة نظر الكتابة اللاتينية بحيث تنطق من اليسار لليمين Eurasia وحين ننقلها للعربية ونكتبها على الخريطة "أوراسيا" تحدث مفارقة غير مفهومة لدى الطلاب لأن كلمة أوروبا تقع على قارة آسيا بينما تقع كلمة آسيا على قارة أوروبا. وكان الأولى بنا أن نعرب المصطلح إلى "الآسيوأوربا" !


🔹 في مفهومه المجرد من أية حروب وسياسات وتوسعات وإمبراطوريات يعني مصطلح "أوراسيا" أن القارتين قارة واحدة تتألف من جسم عملاق لقارة آسيا ورأس صغير تمثله قارة أوروبا. ويبدو هنا أننا أمام مفارقة اقتصادية وتكنولوجية وعلمية في العصر الحديث يمكنك أن تجسدها في دعابة فكاهية هي ثنائية "المخ والعضلات". فآسيا قارة ضخمة من الموارد والإمكانات الطبيعية وأوروبا صغيرة الحجم والموارد وكأنها العقل الماكر المدبر. ولعلك تعرف أن كثيرا من الجغرافيين والجيولوجيين غير متفقين إلى اليوم: أين يوقعون الحد الفاصل بين أوروبا وآسيا !


🔹 هناك محاولات تاريخية لجمع القارتين معا في كيان سياسي واحد، ربما تكون إمبراطورية الإسكندر الأكبر هي أشهر تجلياتها حين أرادت أن تجمع بين قدرات الحضارة الفارسية المدهشة وقدرات حضارة اليونان المبهرة. بل إن الإسكندر تجاوز الأوراسية حين ضم مصر فأصبح يشكل لأول مرة في التاريخ إمبراطورية "أوروآسيوإفريقية".


🔹 لم يكن الإسكندر الأكبر في الحقيقة أول من اخترع المصطلح فقبله بقرون وفي عهد المجد المصري القديم تكونت بالفعل إمبراطورية مصرية "أفروآسيوية" تنطلق من حوض النيل إلى بلاد الشام. وبعد قدماء المصريين والإسكندر الأكبر تمكن الرومان لاحقا من تحقيق حلم الجميع بإقامة إمبراطورية من القارات الثلاث حول حوض البحر المتوسط.


🔹 بانطلاقها من شبه الجزيرة العربية حققت الدولة الإسلامية بغزواتها وفتوحاتها عقيدة جديدة جمعت كل المحاولات السابقة في دولة عظيمة يسميها المؤمنون "الخلافة" ويسميها الناقدون "إمبراطورية". على رأس هذه الدولة خليفة أو إمبراطور يحكم كيان خرافي في جسمه الضخم بعقيدة جديدة اسمها "الآسيوأفروأوروبية".


🔹 وحين استطاع المغول تحطيم الدولة الإسلامية وأقاموا إمبراطورية ضخمة صارت العقيدة الجديدة "آسيوأوروبية" لأنها أخضعت أقاليم واسعة من الصين في الشرق إلى كييف (في أوكرانيا حاليا) في الغرب. ومن المدهش أن مصر في عهد الدولة المملوكية خرجت إلى المغول في عين جالوت في فلسطين وأوقفت الغزو المغولي ولولا ذلك لكان المغول هم الورثة الحقيقيون لمصطلح الإمبراطورية " الآسيوأفروأوروبية". ومن المدهش أيضا أن مصر للمرة الثانية في غضون قرن من الزمن فعلت ذلك بعد أن عرقلت مشروع الحملات الصليبية التي حاولت أيضا تحقيق إمبراطورية أوروآفروآسيوية.


🔹 يعد الشعب الروسي من أكثر الشعوب التي عانت إذلال الغزو المغولي. لكن هذا الشعب تعلم في نفس الوقت أسس الإدارة والسياسة والسلطة والاستبداد من هؤلاء الغزاة. سيستغرب البعض كيف يتأتى للمغول سياسة وإدارة وحكم؟ الإجابة هي المستشارون من حضارة العالم الإسلامي الذي دخلوا في خدمة هذه القبائل البدائية وقدموا عصارة فكرهم وجليل أعمالهم إليها وصاروا يعملون في بلاط حكامها الأسطوريين. وبعد أن انهارت الإمبراطورية المغولية وتحررت روسيا من أسرها بدأت موسكو - منذ خمسة قرون على الأقل- تأخذ عظمة المصطلح فاستعارت من المغول ومستشاريهم الإسلاميين المفهوم "الآسيوأوروبي" أي جمع خيرات الشرق الآسيوي وقدرات الغرب الأوروبي في بلاط حكم واحد.


🔹 طيلة تاريخها اللاحق عملت القيصرية الروسية على الحفاظ على هذا المفهوم وحافظت روسيا إلى اليوم على النسر ذي الرأسين في شعارها الحربي. ولو أردنا الحقيقة فإن هذا النسر سلبته روسيا من الدولة البيزنطية التي كانت تترامي على آسيا وأوروبا. لم يعد أحد يتذكر اليوم أن الرأسين في هذا النسر هو رمز بيزنطي يعود لأكثر من 1500 سنة وكانت بيزنطة ترمز به إلى أنها إمبراطورية يقظة تنظر إلى الشرق الآسيوي بنفس المساواة التي تنظر بها إلى الغرب الأوروبي.  (قبل الروس سيذهب بعض رواة التاريخ إلى أن راية صلاح الدين الأيوبي في حكم مصر كانت تجمع النسر ذي الرأسين أيضا لأن دولته كانت تحكم أقاليم في الشرق وأقاليم في الغرب).


🔹 وحين وصلنا إلى القرن العشرين، لم تفرط روسيا الشيوعية في المفهوم الأوراسي القائم على التوسع والضم ونشر العقيدة الشيوعية عبر القارتين بل إنها تخطت هذه المرة كل الحدود مع اكتشاف العالم الجديد بأسره ووصلت العقيدة الشيوعية إلى أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا. وأصبحت الشيوعية هذه المرة تماما كالخلافة الإسلامية عقيدة تقوم (نظريا على الأقل) على مبادئ "تجاوز القوميات" وعدم التفريق بين "أسود وأبيض وأحمر" فضلا عن "عدالة توزيع الموارد وأدوات الإنتاج والسلطة"دون تفريق على أساس ديني أو لغوي أو جنسي. 


🔹 نحن الآن في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، تجاوزنا 30 سنة منذ سقوط الشيوعية حين شهدت روسيا بنهاية القرن العشرين 10 سنوات من الترنح على يد بوريس يلتسين والتهديد بالتفكك والتشرذم إلى جمهوريات قومية (في روسيا عشرات الجمهوريات والأقاليم  والوحدات القومية من غير العرق الروسي). أما العشرين سنة التالية منذ مطلع الألفية الجديدة فيمسك فيها بوتين بأطراف الدولة ويطرد حيتان رجال الأعمال ورجال الإعلام (وفي روسيا كان رجال الأعمال هم أنفسهم رجال الإعلام) وأصبح الرجل المتحكم في كل شيء. وما يحدث الآن في أوكرانيا قد يغري البعض (مثل تلك القناة العربية الفضائية ذائعة الصيت) إلى الاعتقاد بأن بوتين بعيد أمجاد العقيدة الأورواسية.

أما الحقيقة فإن الأوراسية مفهوم يختلف عن الحرب والضم والتفكيك والبلقنة والصدام مع الدول.


للأوراسية مفهومان على الأقل: 

🔹 سياسي عسكري لتكوين كيان جيوسياسي عبر آسيا مع أوروبا، وهذا المفهوم مؤقت ومتقلب ويؤدي إلى حروب ونزاعات وعداوات تظل خامدة لتنفجر في المستقبل. 

🔹 حضاري ثقافي يقوم على دخول شعوب أوروبا وآسيا طواعية في كيان حضاري مندمج من الحضارتين وفق اختيار طوعي رغبة في الفوز بأكبر ثمار العضلات الآسيوية وأذكي تجليات المخ الأوروبي (والتشبيه هنا على سبيل الدعابة، وليس فيه أي حقيقة علمية، ففي آسيا عقول عبقرية وفي أوروبا عضلات وموارد طبيعية).


في كلمتين: الأوراسية الحقة تقوم على وجود نموذج حضاري سياسي إنساني فلسفي وروحي ومادي يغري الشعوب عبر القارتين الأوروبية والآسيوية بقبوله عن طيب خاطر لتحقيق أكبر نفع من "وحدة الشعوب الإنسانية".


وإذا أخذنا كل المعطيات الحالية في الاعتبار فإن فرص تحقق الأوراسية بمعناها الحضاري غير متوفرة لعدة عقود مقبلة، وهو ما يجعل النسخة السطحية الكاذبة منها القائمة على الضم والحرب والصدام والجبر والصراع هي الفائزة وهي المنتصرة وهي التي ستشكل عناوين الأخبار في المستقبل المنظور.

author-img
كوكب المنى

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent