صورة الريف الذي تداهمه مناسك الخوف !

 صورة الريف الذي تداهمه مناسك الخوف !



نقلا عن ا.د. عاطف معتمد

من أكثر عناوين المقررات التي أدهشتني وأنا بعد طالب في قسم الجغرافيا بجامعة القاهرة قبل ثلاثة عقود تلك المادة التي كان عنوانها "جغرافية الأرياف". كان المقرر يدرسه لنا أستاذ جليل  حاصل على الدكتوراه من المملكة المتحدة وشغل وقتها رئيسا لقسم الجغرافيا هو أ.د محمد حجازي، عليه رحمات الله.

اتسمت محاضرات هذا العالم الجليل بصعوبتها ودسامتها وربما وجدها البعض غير مفهومة وغير ضرورية، وقد اكتشفتُ لاحقا أن السبب يكمن في أنه كان يخطابنا وكأننا طلاب دكتوراه وليس طلاب ليسانس. 

أكثر ما كان فارقا في هذه المادة أن كثيرا من الطلاب جاءوا من الأرياف وكان إعطاء مقرر كامل عن البيئة التي يعيشون فيها غير مفهوم وغير مبرر.


الحقيقة أن جغرافية الريف التي جاء بها عالمنا الراحل من المملكة المتحدة كانت سابقة لعصرها في وقتنا في نهاية ثمانينيات القرن العشرين. كانت اجراس الإنذار في أوروبا تحذر من تغول المدينة على حساب الريف ومن ثم كان الاعتناء به ضروريا في المملكة المتحدة بينما كان الريف وقتها في بلادنا ما زال بخير وعافية نسبيا.


بمضي الزمن أصبح الريف المصري يتعرض لهجمة شرسة في مصر تقضي عليه وتحذف تراثه الغذائي والثقافي والاجتماعي. ومن المفارقات المدهشة انه في هذا الوقت الذي يستوجب فيه على أقسام الجغرافيا تدريس مقررات عدة عن سبل الحفاظ على الريف وحسن تخطيطه وإدارته إذ بكثير من جامعاتنا تلغي تدريس هذا المقرر باعتباره "تحصيل حاصل" !.


لهذه الأسباب وجدت في نفسي دافعا مشجعا للاهتمام بما يكتب في الأدب المصري عن الريف وأحاول أن أتتبعه عند كل من توفيق الحكيم ويوسف إدريس وفهمي حسين وخيري شلبي وغيرهم، كما تابعت حديثا بعض الأعمال المدهشة عند أسامة الرحيمي وأخيرا في الرواية التي صدرت قبل عامين للأديبة المبدعة سلوى محسن.


تحمل الرواية عنوان "مناسك الخوف" وهو عنوان مهيب يأخذنا إلى فكرة النسك والتنسك الذي يجعل من الخوف طقسا دينيا مقدسا. الرواية ترصد سيرة حياة عائلة مصرية في ريف الدلتا وما مر على هذا الريف من تغيرات إنسانية واجتماعية على مدار أكثر من 100 سنة فتبدأ من زمن الحريم والجواري وتنتهي إلى تاريخ اليوم. 

الرواية أقرب إلى لوحة موزايك لحياة الريف مؤلفة من عشرات القطع الفسيفسائية التي لا يسهل تجميعها من قراءة سريعة بل تحتاج إلى قارئ صبور يليق باللغة المدهشة التي تكتب بها سلوى محسن.

على مدار 270 صفحة ترسم المؤلفة مشاهد بالغة التنوع بين الحزن والخوف والشغف للإنسان الذي ارتهنت حياته بنهر النيل ونظامه المائي وارتباطه بعلم الفلك والمعتقدات الدينية والأساطير المصرية القديمة وما قام عليه النظام الزراعي عبر آلاف السنين. تقرب الرواية معبودات مصرية قديمة إلى القارئ المعاصر فيتعرف معها على خنوم وحتحور وأنوبيس. 


الحقيقة أن الرواية لم تهتم فقط بالعلاقات الاجتماعية بل أعطت تقديرا لما يمكن تسميته بالجغرافيا المقدسة حين رسمت تفاصيل لمشهد الأرض في الدلتا وما يضمه من أشجار ونخيل وحيوانات لدرجة تكاد تعطي كل واحد منها سيرة ذاتية مستقلة لم يفلت منها العجول والثيران والأبقار والنحل والزنابير والحمام والقمري.


ما لم يكن ممكنا أن نتعلمه مع الراحل العظيم أ.د محمد حجازي في مقرر "جغرافية الأرياف" يمكن أن نجده هنا في توصيف الريف المصري حين توثق لنا سلوى محسن عمليات تلقيح النخل وصناعة خمر عرق البلح وأسماء ووظائف النورج والمحراث وبرج الحمام.


في التوثيق أيضا أمثلة للأكلات المحلية وأطباقها الموسمية وخاصة في ليال الإنشاد الصوفي الذي يأخذ بطلة الرواية إلى قمم النخيل العالية فتحلق في سماء الريف في سن الطفولة والصبا.


هناك أيضا حصر للألعاب واللهو : عريس وعروسة، عسكر فوق وعسكر تحت، بل بعض ألعاب احتاجت الكاتبة معها لأن تضع لها هوامش توضيحية في نهاية الرواية لأنها اندثرت تماما اليوم.


في التوثيق أيضا مشاهد ستندثر من ذاكرة المعاصرين قريبا مثل وابور الجاز والكي بالنار عقابا للأشقياء من الصغار وصور مدهشة لطريقة بعض اللصوص في السطو على المنازل عراة كما ولدتهم أمهاتهم تسهيلا لعملية السطو والفرار وصدمة أصحاب البيت لا سيما من النساء.

في تكنيك الرواية بالغ الدقة والغرابة والدهشة تجد نفسك في صفحات تاريخ هذه المنطقة من الدلتا في مشهد الصدام العربي-الرومي وما تركه ذلك من معارك وشهداء.


ورغم أن العمل أدبي خيالي في جانب منه وتوثيقي في جانب آخر إلا أن بطلة الرواية كانت ممتزجة طيلة الرواية مع عناصر الريف فصارت حقا ثالوثا من" الطين والماء والإنبات"


التقنية التي اتبعتها المؤلفة المبدعة تقنية فريدة تستوجب تركيزا في القراءة إذ يخايل القارئ مشاهد من الحقيقة والتوهم، الصحو والإفاقة، الأحلام والكوابيس.

بعض صفحات من الرواية أقرب إلى سرد شعري يكاد يكون ترانيم من بوح العاشقين وصفحات أخرى مسائل وإشكالات فلسفية ودينية على ألسنة الفلاحين عن سب الخلق ومعنى الوجود في خضم حياة مصرية بالغة "التناقض" وربما بالغة "التنوع المتنافر".


هذه رواية أخرى مهمة للغاية، ليس فقط بسبب اللغة المحملة بالصور والأخيلة، وليس فقط بسبب ذاتية التجربة وعمق المخاوف والآلام عند أبطال الرواية التي كتبتها ببراعة سلوى محسن، بل أهميتها بالنسبة لي في تناولها  للريف من خبرات ذاتية وتوثيقية مما يجعلني أجد فيها وجها آخر لجغرافيا بلادنا: حيث الطين والإنبات والإنسان أو "جغرافية الأرياف" التي حاول أن يدرسها لنا الرحل الجليل محمد حجازي ولم نكن نفهم أفكاره ومعلوماته قبل 30 سنة مضت.

author-img
كوكب المنى

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent