ع الحلوة والمرة ! الواحات الخارجة - ا.د. عاطف معتمد

 ع الحلوة والمرة ! الواحات الخارجة - ا.د. عاطف معتمد 

دعوني أعترف أنني دوما أرى اسم الواحات "الخارجة" اسما سخيفا فقيرا مفلسا. لا يزيد عمر هذه التسمية على الأرجح عن قرنين من الزمن. وقد تكرست هذه التسمية مع نظيرتها "الداخلة" و "البحرية" مع الاستعمار الأجنبي لمصر، لقد كان المستعمرون ينظرون إلى الأرض دون انتماء لها فيقولون هذه تقع إلى الداخل وهذه إلى الخارج وهذه بحرية وهذه قبلية.

الواحات الخارجة


وسبب عدم تعاطفي مع اسم "الخارجة" و"الداخلة" أنه يذكرني تماما بالطريقة الحمقاء التي نتبعها حين نجامل إنسانا بقولنا "إنه شخص جميل" وكأن اللغة العربية أفلست إلا من كلمة "شخص" التي تذكرني بـ"الشاخصة" أبصارهم وأجسادهم. أو حين نمدح إنسانا فنقول له "انت حد جميل". تخيل أن يكون وصفك "حد"، أنت بكامل تكوينك وتعقيد الخيوط المتشابكة التي تشغل مصابيح روحك تصبح "حد" ..هكذا بكل بساطة !

لذلك فرحت جدا حين قرأت رحلة الطبيب الفرنسي الذي سافر في عام 1698 إلى الحبشة مارا بالواحات "الخارجة" وأسماها "الحلوة".


قلت في مقال أمس إن هذا اسم نادر لم نقرأه من قبل ولا من بعد، فاسم الواحات الخارجة مر بعدة مراحل بدأت من عهد قدماء المصرييين مع اسم "هيبس" بمعنى المحراث، في دلالة على أن هذه الصحراء الجرداء من رمال ومستنقعات لا تحتاج سوى إلى محراث لتحويل الأرض وفيرة المياه إلى أرض خصبة منتجة. 


وقد حملت الواحة في العهدين اليوناني الروماني مسمى "ماجنا" بمعنى "الكبرى" وكان يقصد بها الخارجة والداخلة معا، تمييزا لهما عن الواحات الـ "پارفا" والتي تعني "الصغرى" في إشارة إلى "الفرافرة".


لم تكن الواحات البحرية تسمى باسمها الحالي إلا حديثا وكان اسمها الأصلي مرتبطا بوادي النيل في إقليم المنيا ولا سيما المدينة العظيمة المنسية "البهنسا"، فعرفت الواحات البحرية باسم "واحة البهنسا" لفترة من الزمن حتى الربع الأول من القرن العشرين.

في بعض الأحيان لم يكن للخارجة اسم سوى "الواحة الطيبية" أي التابعة لإقليم "طيبة" في الأقصر وهو ما ربطها إداريا حتى العصر الحديث بالصعيد فصارت تابعة لحكمدار أسيوط حتى عهد الاحتلال الإنجليزي.


في عام 1698 جاء الطبيب "بونسيه" إلى الخارجة في رحلة امتدت من منفلوط وعبرت الصحراء في وقت عاصف فهبت عليهم الرمال التي نسميها اليوم غرد أبو المحاريق، أصابهم ظمأ وعطش وأغلقت السماء في وجوههم بأشباح من الرمال والأتربة، وظلت الرحلة أياما في مشقة وتعب على ظهور الجمال حتى إذا هبطوا إلى الواحة الخضراء بدت أمامهم جنة منقذة وفردوسا مفقودا وحين شربوا من مياهها عرفوا معنى كلمة "الحلوة". وأطلق الجميع على الواحة مسمى "الحلوة" وهو ما يمكننا اعتباره وصفا لا اسما.


نعرف اليوم من الخرائط الحديثة أن هناك عين مياه إلى الجنوب من الواحات الخارجة قبيل الدخول إلى السودان تسمى عين "مُر" وهو وصف يطلق على مياه البئر. ويعطي تفسيرا منطقيا لتسمية الخارجة آنذاك بالواحة "الحلوة". 


الآبار والعيون في الصحراء عادة ما تصنف إلى:

- حلوة في مقابل مرة

- - حارة في مقابل باردة

- ضحلة قريبة المنال في مقابل عميقة بعيدة الوصول في جوف الأرض

- على ربوة بها سنط ونخيل أو محاطة برمال وغرود

- قريبة من القرى أم بعيدة مهجورة تسكنها الحيوانات مثل الديابة والثعالب بل والخنافس.

- في السهل المنبسط أو معلقة في الجبل

واحدة من العيون المعلقة في الجبل فيما بين الواحات الخارجة والداخلة عين عجيبة فريدة مدهشة تسمى على الخرائط "عامور" ويكتبها بعض الباحثين "آمور". 


قرأت الكثير عن الخارجة وسألت عشرات من أهلها ولم يجبني أحد إلى اليوم عن معنى اسم عين "آمور" او "عامور". حين تفشل المحاولات العلمية يستسلم المرء إلى التفسيرات الطريفة التي لا تقوم على أساس علمي وقد نقبل إلى حين ما ذهبت إليه واحدة من الباحثات الأوربيات التي رأت أن "آمور" هو تحريف لوصف اطلقه أحد الرحالة وأصله كلمة فرنسية هي " لامور" بمعنى "الحب".

لو صدقنا هذه الفرضية (التي لا تقوم على أي دليل) فسيكون معنى عين "لامور" عين "الحب"، قد يقنعك التفسير الطريف الخفيف خاصة إذا تذكرت ان الواحد منا حين ينادي على امرأة يحبها قد يناديها يا "حلوتي"  (من منكم يذكر أغنية  ناظم الغزالي "قل لي يا حلو منين الله جابك؟" ) 


بعيدا عن تفسيرات  بغير دليل، وحذرا من التهم التي تأتيني من أنني أرسي هرطقة جديدة في الجغرافيا بخلط هذا العلم الرصين الوقور بتخاريف الأغاني وقصص الحب والغراميات، دعونا نعود إلى "بونسيه" الذي وصل إلى الواحة "الحلوة" وغادر منها بعد أربعة أيام مارا بأهلها وكتب واصفا كيف أن الحكم العثماني يعطيها أهمية كبيرة حتى أنه أرسل إليها 800 جندي من الإنكشارية (وهو رقم كبير جدا بتاريخ عام 1698) ووضع عليهم رئيسا كبيرا اسمه "الكاشف".


غادر الطبيب الفرنسي "بونسيه" الواحات الخارجة في مهمة طريفة للغاية نتحرق إليها شوقا، كان ذاهبا إلى البلاط الإمبراطوري وكان برفقته مبشر يسوعي فضلا عن الدليل المسلم "الحاج علي" الذي يعمل بجوار الإمبراطور الحبشي أيضا.


لولا أني منشغل ببحث "جغرافية الآثار في الواحات الخارجة" لمضيت في التسكع خلف هذه الرحلة وبحثت عن هذا الطبيب الفرنسي، وماذا فعل قبل 300 سنة في البلاط الإمبراطوري بعد أن غادر واحتنا "الحلوة" التي نسميها اليوم "الخارجة".

author-img
كوكب المنى

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent