القائمة الرئيسية

الصفحات

أغاني المهرجانات واليوتيوبرز هزيمة لقيم المجتمع

 أغاني المهرجانات واليوتيوبرز هزيمة لقيم المجتمع 

أغاني المهرجانات واليوتيوبرز هزيمة لقيم المجتمع


فوجئت، مؤخراً، بنسبة الإقبال على ما يسمى "أغاني المهرجان" فأرقام المشاهدات على اليوتيوب تتراوح من مليون إلى أكثر من 200 مليون مشاهدة.

تلك نسب قد تفوق بكثير ما تحظى به مؤسسات دولية كبرى ودول، ما يخلق أسئلة كثيرة جداً عن السبب الذي دفع الجمهور المصري والعربي إلى هذا الإقبال الكبير. 

اذا سئلت طفلا قبل ما يقارب العشر سنوات او ما يزيد، ما تمنياتك وأحلامك في المستقبل .  سيقول طيار او طبيب او مهندس او ظابط .. ما بالك اليوم وكل احلام الاطفال ان يكونوا مثل حسن شاكوش او حمو بيكا وخلافهم ...


أغاني مثل "بنت الجيران، وعود البنات، وعود البطل"، وغيرها تمثل بالنسبة لي على الأقل معادلة كيميائية غير متوافقة، فبعد قليل من تحليل الكلمات وحتى نغمات الموسيقى لا يمكن أن تجد فيها ما يبرر هذا الإقبال المهول.

لذا وجب السعي والبحث عن مبرر لكل الذي نراه. وننطلق أولاً من التفتيش في المحتوى سواء الكلمات أو الموسيقى ربما نعثر على خلطة سحرية أحدثت كل هذا الأثر، فنجد أن الكلمات لا تتخطى عملية رصّ ليس إلا، تخلو من أي دلالات ومعانٍ عميقة.

أغاني المهرجانات يمكن اعتبارها شكلاً أو مسخاً خارج إطار التصنيف الغنائي المتعارف عليه، هي ليست غناءً شعبياً، والموسيقى التي تستخدم هي نوع من موسيقى "التكنو موسيقا" تتم صناعتها عن طريق الكمبيوتر، ويتم تركيب صوت المغني عليها، ولعل ذلك قد يكون سبباً في سهولة صنع أغنية، فالأمر لا يتطلب حضور موسيقيين.


الشيء الآخر الذي ساعد في انتشار هذا النوع هو منصات التواصل الاجتماعي، ويمكن القول فعلا إن هذا الشكل الغنائي هو ابن "السوشيال ميديا".

إذاً بمنتهى البساطة يمكن القول إننا لسنا أمام محتوى غنائي جاذب وفيه ما يبرر هذا التهافت عليه من قبل الجمهور، ولا يبرر ذيوعه بهذه الطريقة المذهلة، وبالتالي علينا أن ننتقل إلى تطبيق منهج نقدي استخدمته سابقاً في تحليل العديد من الأعمال الأدبية والفنية وهو منهج دراسة المتلقي وليس دراسة العمل الفني.

فالعملية الإبداعية والفنية عبارة عن علاقة بين صانع للرسالة الإعلامية وبين متلقٍّ لها، ومن المعيب أن كل النظريات النقدية تنصب على دراسة العمل الفني دون أن تتطرق إلى دراسة عقلية وسيكولوجية المتلقي نفسه الذي هو نحن.

كما أن هناك دراسات نقدية أخرى تأخذ السياق المجتمعي في التأثير، لذا فالوصول إلى فهم هذا الشيوع الغريب لأغاني المهرجانات يستوجب تطبيق النظريتين معاً؛ دراسة المتلقي ودراسة السياق المجتمعي والسياسي الذي وجدت فيه وخرجت منه هذه النوعية الغريبة من الغناء.

أولاً، نبدأ بالسياق الاجتماعي والسياسي الذي يؤكد الراصدون له أن تلك الأغاني وجدت في مرحلة 2011، أي موجة ما سمي "الربيع العربي" الأولى في تونس ومصر وليبيا واليمن.

وبالتالي كانت هناك هزات مجتمعية كبيرة ولدت أحلاماً جديدة وانكسارات وأشكالاً فنية مختلفة مثل أغاني الميادين والشارع وغيرها.

الشيء الآخر أن حركة التغيرات السياسية زادت وتيرتها بدرجة ملحوظة، فخلال عامين فقط رأينا تغير نظامين سياسيين في مصر وهكذا تونس.

أضف إلى ذلك تم تكسير وتحطيم كل ما هو سابق سواء كان سياسياً أو فنياً وحتى غنائياً.

العبث ليس مجرد كلمة نرددها فقط، بل هو نظرية فلسفية لها روادها الكبار أمثال ألبير كامو الفيلسوف الفرنسي الشهير صاحب رواية الأم وأسطورة سيزيف، وأيضا يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكت وغيرهم الكثير.

العبثية في تعريفها المبسط هي "اللاشيء" واللهجة المصرية "ما حدِّش فاهم حاجة".

في التعريف الفلسفي هي "الصراع الأزلي بين رغبة الإنسان في البحث عن قيمة ومعنى للحياة وفي نفس الوقت عجزه عن التوصل إلى أي معنى للحياة التي تحكمها الفوضى واللاعقلانية".

هذا التيار انتشر بعد الحرب العالمية الثانية وتحديداً في فرنسا، أي بعد كم القتل والدمار والتخريب الذي عايشه الإنسان الأوروبي بعد حربين عالميتين اكتشف خلالهما أن لا قيمة للحياة ولا للإنسان الذي أصبحت جثثه أكثر انتشاراً من النمل وقتها.

أي واقع ذلك الذي يمكن أن يقدم مبرراً لكل هذا الخراب؟

سؤال طرحه الإنسان الغربي على نفسه فلم يجد له جواباً سوى الهروب من الواقع، الهروب إلى العبث، إلى اللاشيء، اللامبالاة، اللاقيمة، اللاوجود عند الوجوديين بشقيهم؛ المؤمن والملحد.

منذ ذلك التاريخ ارتبط انتشار العبث بفكرة الهزائم والخراب وضياع الأحلام والتغيرات الكبرى.

هذا استحضره البعض وهو يؤرخ لمرحلة العبث في مصر تحديداً بعد هزيمة 1967، حين انتشر نوع من الغناء سمّاه البعض شعبياً وسماه البعض انحطاطاً وإسفافاً، ووقتها ظهر تيار أحمد عدوية وأغنية "السح الدح امبو" وأغنية "سلامتها أم حسن" وغير ذلك.

واعتبرت أغنية "الطشت قالي يا حلوة ياللي قومي استحمي" للراحلة عايدة الشاعر نقطة سقوط كبرى، كما وصفها النقاد في حينها.

هذه الأغنية بنت هزيمة 67 وبنت المرحلة، وانتشرت في عام 1972 وقدمت في فيلم "ثرثرة فوق النيل" عن رواية الأديب العالمي نجيب محفوظ، الذي اعتبر الفيلم ومعه الرواية خير تمثيل للعبث ولمرحلة الهزيمة، حيث الكل في "عوامة" على مياه غير مستقرة، والكل يعيش حالة العبث واللامبالاة، كما عبر عنها الغرب.

وبالتالي، مَن يريد أن يبحث عن مبرر لإقبال المواطن المصري والعربي على هذا النوع من الغناء الذي هو عبارة عن مسخ بين الراب والشعبي والفوضى والعبث وكل شيء عليه أن يعيده إلى سياقه.

الإنسان لا يدير هذه العملية بالورقة والقلم، بل إن ما يحدث هو تصرف يحركه اللاوعي.


تعليقات