U3F1ZWV6ZTIxMzgzNDc4MzQ4X0FjdGl2YXRpb24yNDIyNDUzMDg1MTg=
recent
جديد الموضوعات

المتن المقدس والمتون البشرية - ا.د. محمد عثمان الخشت

المتن المقدس والمتون البشرية - ا.د. محمد عثمان الخشت

مقال ا.د. محمد عثمان الخشت بجريدة الأهرام 


حان الوقت أن ننصت بإجلال لعلم الكيمياء.
هل يمكن الاستفادة من قوانين الطبيعة في التفاعلات الكيميائية في عمليات تجديد الأفكار ؟
متى نتعلم من الطبيعة ككتاب مقدس لله بجوار الوحي؟

د. محمد الخشت
أستاذ فلسفة الدين- رئيس جامعة القاهرة

(لم تأت قوانين الله المطردة في الطبيعة والحياة عبثا، إنها قوانين بقدر دقيق تحكم الطبيعة وتحكم الحياة الطبيعية، وعلى الإنسان أن يتعلم منها فهما لا حفظا ولا تكرارا، وأن يُعملها في حياته إذا أراد القوة والتقدم بين الأمم. وأتصور أن عملية بناء خطاب ديني أو علمي أو ثقافي جديد، لابد أن نستفيد فيه من قوانين الطبيعة، فهي متن مقدس آخر لله بجوار الوحي، وننظر كيف تتم عملية التجديد فيها. ولا شك أن الكيمياء من أهم جوانب الطبيعة، وفي عالم الكيمياء يمكن أن نتعلم الكثير والكثير من العمليات التي يمكن أن نستفيد منها في عملية التجديد.
وفي واقعنا المعاصر نجد أمامنا عناصر قديمة آتية من المتون البشرية المصنوعة في سالف الزمان وعناصر جديدة آتية من الواقع المتغير والعلوم والثقافات الأخرى المعاصرة والمصالح المرسلة. فهل يمكن أن نصل إلى مُركب جديد نتيجة عمليات تفاعل تامة على طريقة التفاعلات الكيميائية التامة في علم الكيمياء؟
إن التعلم من قوانين الله الثابتة في الطبيعة يدفعنا إلى التأكيد على أنه لابد من مركب جديد تفاعلي بين العناصر الإيجابية الحية في التراث القديم والعناصر الجديدة، فالعالم متغير وما ينفع الناس في عصر قد لا ينفعهم في عصر آخر. والعناصر الإيجابية الحية في التراث القديم عندما تتفاعل تفاعلا تاما مع العناصر الجديدة، فإنها تصنع مرحلة جديدة، بل تصنع تراثا جديدا.
إن الإسلام نفسه كدين قدم جديدا، لكنه لم يتنكر للعناصر القديمة الملائمة في الأديان السماوية السابقة، بل استمرت معه العناصر النقية الخالصة من ملة إبراهيم عليه السلام. والمجددون الحقيقيون بعد ذلك مثل ابن خلدون، قد جاءوا بالجديد وصنعوا تراثا وإسهاما حقيقيا، على الرغم من أن ما جاءوا به ليس نقلا وتردادا أجوف للقديم. وربما لا يعلم البعض أن التقدير في الإسلام نفسه ليس للقدماء فقط بل للاحقين أيضا، قال عليه الصلاة والسلام:"طوبى لِمَن رآني وآمنَ بيِ، وطوبى ثُمَّ طوبى ثُمَّ طوبى لِمن آمنَ بي ولَم يَرني"، حديث حسن السند، (انظر ابن حجر العسقلاني المصدر: الأمالي المطلقة، ص 47)، وصححه الألباني (انظر: صحيح الجامع، ص 3923). فالفضل ليس مقصورا على القدماء وحدهم، بل مفتوح إلى يوم القيامة.
إن العناصر الإيجابية الحية في التراث القديم عندما تدخل التراث الجديد، لن تكون كما هي في الماضي، بل سوف تأخذ طبيعة جديدة في المُركب الجديد، على شاكلة التفاعلات الكيميائية، وأهمها التفاعلات التامة للمواد، وهو ما يُطمح إليه في عملية التجديد الفكري بوصفه تفاعلا تاما تأخذ فيه العناصر طبيعة جديدة بعد إتمام عملية التفاعل.
ومن أنواع التفاعلات أيضا التفاعلات الانعكاسية التي لا تتم حتى نهايتها، بل يستمر جزء من المتفاعلات في الوجود بجوار النواتج في بصرف النظر عن مرور الزمن وطوله، ويمكن إعادة التحليل والحصول على تلك العناصر مرة أخرى. وليست التفاعلات الانعكاسية هي ذروة ما يُطمح إليه في عملية التجديد الفكري؛ لأن الهدف الانتقال النوعي إلى عصر جديد ببصمة جديدة. ولذا فإن المعنى المتحقق للتفاعلات الكيمائية التامة للمواد هو معنى المُركب الجديد في الخطاب الديني الجديد في ضوء قوانين الله في علم الكيمياء. لكن هناك أنواعا ودرجات أخرى للتفاعل الكيميائي مطلوب أيضا الاستفادة منها في تجديد الأفكار، مثل: تفاعلات الإزاحة حيث يطرد ويزيح العنصر الأكثر نشاطا عنصرا آخر غير نشط أو أقل نشاطا. وهذه العملية الكيمائية يمكن الاستفادة منها مع الأفكار البناءة والهدامة، والمتقدمة والرجعية، إذ يمكن تنشيط الأفكار البناءة والتقدمية في التعليم والثقافة والإعلام، وهي تلقائيا سوف تقوم بعملية إزاحة للأفكار الهدامة والرجعية. ومن أنواع التفاعلات أيضا تفاعلات الضم أو الاتحاد حيث تتفاعل مادتان كيميائيتان لإنتاج مادة واحدة جديدة، ومن أنواعها: اتحاد عنصر مع عنصر لتكوين مركب جديد، وأيضا اتحاد عنصر مع مركب لإنتاج مركب جديد، وكذلك اتحاد مركب مع مركب آخر لتكوين مركب آخر جديد. وهذا النوع له ما يناظره في العمليات الفكرية بكثرة مع مجددي الأفكار، سواء كانوا على وعي بهذا أم لا. وقل مثل ذلك في تفاعلات التحلل والتفكك وفيها يتم إنتاج مادتين أو أكثر من مادة واحدة. ومن ثَّم تغيب المادة الأولى، وهذا يصلح مع الأفكار الهدامة، حيث يتم تحليلها وتفكيكها وفق المنهج التفكيكي في الأدب والفلسفة وغيرهما. وهناك كذلك تفاعلات التبادل، وفيها يتم تفاعل عنصر مع مركب لتكوين عنصر ومركب جديدين. وهكذا يمكن السعي إلى الاستفادة في العمليات العقلية مع الأفكار من العمليات الكيميائية التي تتم في المواد. وعليه فإن الظن أن مجرد التنقيح سوف يؤدي إلى التجديد، ما هو إلا تبسيط مخل وبدائي لعمليات التجديد.
وفضلا عن ذلك فإن تطور الكائن الحي في نموه البيولوجي لا يخضع للتفاعلات الانعكاسية، فالعمر البيولوجي لا يمكن العودة به (طبقا لعلوم عصرنا)، وعليه فإن المبتغى هو عمليات تفاعل تامة للوصول إلى مركب جديد ومرحلة جديدة وعصر جديد. وتطور الحضارة شبيه بهذا؛ فهو على شاكلة المُركب الجديد في الكائن الحي الذي يرتقي من مرحلة إلى مرحلة في ارتقائه وتطوره في سلم الحياة. ونحن هنا نتحدث عن التطور بالمعنى العام وليس بالمعنى الموجود في نظرية دارون.
ونعيد التأكيد على أنه في المُركبات الكيمائية التي تحدث نتيجة تفاعلات تامة يتكون كل مركب جديد من مجموعة من العناصر، لكن هذا المُركب الجديد نفسه له خصائصه المختلفة عن كل عنصر يتضمنه، كما أن العنصر نفسه تتغير طبيعته في هذا المُركب الجديد؛ حيث تتحول جميع المتفاعلات في هذا المُركب إلى نواتج بعد مرور زمن محدد سواء كان طويلا أو متوسطا أو قصيرا. وهذا ما نجده في تاريخ الأفكار على المستوى بعيد المدى، وعلى سبيل المثال في تطور علم أصول الفقه، نستطيع أن نرصد حجم التطور فيه إذا أخذنا طرفين متباعدين نسبيا، الطرف الأول الإمام الشافعي أو الإمام الباقر أو الإمام جعفر الصادق، والطرف الثاني بعد قرون ممثلا في الشاطبي، لكن من أسف فإن دورة التطور في علم أصول الفقه انغلقت بسبب العاجزين عن التطوير؛ فنجدهم يلوذون بتقديس الماضي البشري ككتلة واحدة دون تمييز، مثل الأبناء الذين يفشلون في تحقيق نجاح في حياتهم بعد موت آبائهم، فيلوذون بالفخر بآبائهم، أما هم أنفسهم فلا إسهام لهم ولا إنجاز، على طريقة الشاعر :
وبُناةُ الأَهرامِ في سالِفِ الدَهرِ كَفَوني الكَلامَ عِندَ التَحَدّي
...
إنَّ مَجدي في الأولَياتِ عَريقٌ مَن لَهُ مِثلَ أولَياتي وَمَجدي
...
وَقَديماً بَنى الأَساطيلَ قَومي فَفَرَقنَ البِحارَ يَحمِلنَ بَندي
قَبلَ أُسطولِ نِلسُنٍ كانَ أُسطولي سَرِيّاً وَطالِعي غَيرَ نَكدِ
فَسَلوا البَحرَ عَن بَلاءِ سَفيني وَسَلوا البَرَّ عَن مَواقِعِ جُردي
...
ومع احترامي الجم والحقيقي للشاعر الفحل، لكن منطقه يعكس ثقافة الفخر التي يلجأ إليها العجزة عن التقدم والعجزة عن تحقيق مجد جديد. لكن الشاعر الآخر كان صائبا عندما قال:
إن الفتى من يقول ها أنا ذا ليسَ الفَتَى مَنْ يقولُ كان أبي!).

كوكب الجغرافيا .. نافذتك إلى المعرفة 
الاسمبريد إلكترونيرسالة