U3F1ZWV6ZTIxMzgzNDc4MzQ4X0FjdGl2YXRpb24yNDIyNDUzMDg1MTg=
recent
حصريات

استقرار عرب حضرموت في صحراء مصر الشرقية منذ القرن الأول الهجري (السابع الميلادي) د. عطية القوصي *

استقرار عرب حضرموت في صحراء مصر الشرقية

منذ القرن الأول الهجري (السابع الميلادي)

               د. عطية القوصي *

دراسات الخليج والجزيرة العربية - العدد 25

نزحت جماعات عربية كثيرة – على مدى التاريخ الطويل – في موجات متتابعة من شبه الجزيرة العربية متجهة إلى منطقة الهلال الخصيب ووادي النيل.
ولقد جاء هذا النزوح أساساً – قبل الإسلام – تحت ضغط الأحوال الاقتصادية السيئة بسبب الجفاف وبسبب قسوة الظروف الطبيعية. وكان التباين الكبير بين المناطق الصحراوية والأراضي الزراعية يغري ساكن الصحراء دوماً أن يتلمس حياة أكثر غنى في كنف الأراضي الخصبة وعلى حافة مناطق الزراعة.
ومع قيام الدعوة الإسلامية استجد عامل آخر من عوامل هجرة القبائل العربية إلى هذه المناطق الخصبة المجاورة. وتمثل هذا العامل أولاً في حركة الفتوح العربية، التي دفعت بالعرب خارج شبه الجزيرة العربية مجاهدين في سبيل الله من أجل نشر رسالة الإسلام السامية في مختلف بقاع الأرض وفيما ترتب على ذلك من استقرار الجند في كل من مصر من الأمصار التي قاموا بفتحها، ثم ما لحق ذلك من هجرات عربية إلى هذه الأمصار.
وفيما يختص بمنطقة وادي النيل فقد سلكت الجماعات العربية المهاجرة إليها ثلاثة طرق: عبر سيناء وعبر البحر الأحمر وعبر باب المندب، ولقد عرف العرب – مند القدم – هذه الطرق والمعابر المؤدية إلى وادي النيل طلباً للتجارة أو هرباً من الأحوال الاقتصادية السيئة التي كانت تتعرض لها شبه جزيرة العرب من وقت لآخر طوال حقب التاريخ المختلفة الأمر الذي دفع أعداداً كبيرة من سكانها إلى الهجرة إلى وادي النيل سالكين الطرق ذاتها.
والموجات السابقة التي دفعت بها سكان الجزيرة العربية إلى وادي النيل في الفترات المختلفة موجات متعددة لا يسهل حصرها، ولقد وصل بعض تلك الموجات إلى مصر وتجاوزها جنوباً وغرباً. ولقد جاءت هذه الهجرات بأعداد متفاوتة وعلى مراحل متباعدة عبر القرون، غير أن هذه الهجرات التي ترجع إلى عصور التاريخ القديمة لم يترتب عليها تغيير جذري في تكوين شعب وادي النيل مثلما حدث بعد الفتح العربي لمصر. ويكفي – في هذا المجال – أن نشير إلى ما تمخض عنه هذا التغيير الجذري من تعريب مصر واعتناق الغالبية الغالبة من أهلها الإسلام.
فبعد أن تم للعرب  فتح مصر عام 20هـ استقرت القوات الفاتحة فيها– قحطانية وعدنانية– كما تلتها قوات أخرى بعد الفتح نزحت من جهات متعددة من شتى أنحاء شبه الجزيرة، ولقد أصبحت سيناء طوال القرون الإسلامية الأولى طريق حدود تعبرها القبائل بشكل لم تعهده في فترات التاريخ السابقة.
ولقد نزحت في القرن الأول الهجري/ السابع الميلادي جماعات من عرب حضرموت وعبرت البحر الأحمر إلى صحراء مصر الشرقية، واستقرت هذه الجماعات بين شعوب البجة التي كانت تسكن هناك، وأصبحت جزءاً منهم بعد أن اختلطت بهم، وتزاوجت معهم، واستفادت من نظام الوراثة عندهم.
والبجة قبائل حامية كانت تسكن الصحراء الشرقية بين النيل والبحر الأحمر ([1])، وقد عرفها المؤرخون والجغرافيون المسلمون الأول وتحدثوا عنها ([2])فاليعقوبي يذكر أن للبجة عدة ممالك لكل مملكة  منها ملك مستقل، وأن أول هذه الممالك من جهة مصر تبدأ من حد أسوان إلى حد بركات، وان شعبها من الجنس الذي يقال له نقيس، وعاصمة هذه المملكة بلدة هجر. ويصيف اليعقوبي أن للبجة بطوناً وقبائل كما هو الشأن عند العرب، ومن هذه البطون: الحدرات، حجاب، العمامر، كرفر، مناسة، رسغه، عريريعة، الزنافج ([3]).
يذكر الاصطخري ([4])، أن بوادي العلاقي (بصحراء مصر الشرقية) خلقاً كثيراً من البجة وأنه مجتمع أهلها ومقصد التجار منها، وإلى هذا الوادي يفد أهل الصعيد وسائل البجة، وهم لهم كالقرية الجامعة.
ويحدد المقرزي أول بلاد البجة بقرية تعرف بالخرية، وهي معدن الزمرد في صحراء قوص، وآخر بلادهم أول بلاد الحبشة ([5]).
وينتمي هؤلاء البجة إلى جماعات حامية سكنت الصحراء الشرقية من قديم الزمن، وتأتي جماعة البليميين الحامية الأصل على رأسها ([6]).
ولبلاد البجة أهمية كبرى نظراً لوجود المعادن بأرضها وخاصة معدن الذهب، وذلك عرفت باسم أرض المعدن، فضلاً عن وجود الأحجار الكريمة بأرضها وبخاصة أحجار الزمرد ([7]) التي كان المؤرخون المسلمون يعرفونها باسم الزبرجد ([8]).
ومن عادات البجة أنهم لا يورثون البنات، إنما يورثون ابن الأخت وابن البنت دون ولد الصلب ([9]). ويقول في ذلك ابن حوقل ([10]). " ومن سنة جميع السودان إذا هلك الملك يقعد ابن الأخت دون كل قريب وحميم من ولد وأهل " وقد ذكر ذلك عنهم ابن بطوطة، الرحالة العربي، الذي مر ببلادهم أثناء رحلته الأولى في سنة 726هـ ورحلته الثانية سنة 749هـ، وأورد عنهم قولهم " أن ولادة ابن الأخت وابن البنت أصح، وأن يكون من زوجها أو من غيره فهو ولدها على كل حال ([11]) ". ومن ثم فأن شأن الفتى يعلو عندهم بعلو شأن خاله ([12])، ولقد صدق المقريزي على هذا القول بما نقله عنهم من كتاب ابن سليم الأسواني ([13]).
ولقد استفاد العرب الذين نزحوا إلى بلاد البجة، قبل الإسلام وبعده، من قانون الوراثة هذا الذي عندهم، واستطاعوا بواسطته أن يتبوءوا مركز الزعامة بينهم، وأن يصيروا حكامهم، بعد أن صاهروهم وتزوجوا من بنات رؤسائهم.
ولقد تأكد وصول العرب إلى بلاد البجة قبل الإسلام ([14])، لكن هذه الهجرة زادت مع الإسلام، فمن الثابت أن جماعات من عرب هوزان عبرت البحر الأحمر في أعقاب فتح مصر واستقرت في أرض البجة. وعرفوا هناك باسم (الحلانقة) وان هؤلاء الحلانقة أول من استقر من العرب المسلمين في الوطن العربي ([15]).
وقد تلت هذه الجماعات جماعات الحضارمة، التي نحن بصدد الحديث عنها، التي خرت من حضرموت متوجهة إلى هذه البلاد سنة 75 هـ أيام ولاية الحجاج بن يوسف الثقفي على العراق ([16]).
ولقد استقرت هذه الجماعات بين البجة في إقليم العتباي واختلطت بهم وصارتهم وأطلق عليهم البحة اسم (الحداربة) و (الحدارب) وقد شاع اسم الحدارية والحدارب على هؤلاء المهاجرين من حضرموت للكتاب والرحالة

 المسلمين لشيوعه به البجة الذين كان من الصعب عليهم نطق حرف (الضاد) فأبدلوه بحرف (الدال) وأبدلوا حرف (الميم) (بالباء) ([17]).
وقد اعتمد المؤرخون المحدثون ([18]) في صحة نسبة الحدارية إلى حضرموت على ما وجدوه وأرادا في كتب النسبة التي يحتفظ بها أحفاد الحداربة الآن، وهي كتب تعد مصدراً رئيسياً لتاريخ القبائل العربية المهاجرة إلى أفريقية ([19]).
وأورد ماك ما يكل أنه ورد في كتاب النسبة الذي يقع في حوزة الشيخ إسحاق محمد شداد وهو من أهالي كردفان، والذي نقل ما جاء فيه من كتاب النسبة الذي كان في حوزته الشيخ عودة شكل المارد، الذي كان يعيش بالقرب من دنقلة في القرن السابع عشر الميلادي، نقلاً عن كتاب السمرقندي ما نصه " سمعت من الشيخ عبد الله بن الوزير الحضرمي أن الحداربة جاءوا من حضرموت وهاجروا تاركين بلادهم بها أيام ولاية الحجاج بن يوسف الثقفي وأنهم استقروا مع البجة حتى أصبحوا جزءاً منهم " ([20]).
كذلك أورد أن ماك مايكل ما ورد في كتاب النسبة الذي يقع في حوزة الشيخ أحمد بن ألقى معروف سنة 1277هـ ما نصه " أخبرني سيدي عبد الله بو عزيز الحضرمي أن الحدارب جاءوا من حضرموت وهاجروا إلى السودان أيام ولاية الحجاج بن يوسف الثقفي، وأنهم استقروا عند ميناء سواكن، وأنهم كانوا يسمون الحضارم، ولكنهم قلبوا الضاد دالاً والميم باء، فأصبحوا يسمون الحدارب ([21]) ".
ويؤكد بول Paul عروبة الحداربة بقولة ([22]): " ويبدو من المعلومات القليلة التي عرفت عنهم أن الحدارب حين وصلوا العتباري لم يصلوا في أعداد كبيرة أول الأمر، وأنهم برغم إحرازهم السيادة بين البجة فأنهم لم يستطيعوا أن يفرضوا لغتهم عليهم وأنهم اختلطوا بالبجة. وأن عروبة أصل الحداربة يؤكد نفسه في تملكهم للخيول وهي حيوانات كانت البجة تنفر منها ولا تتقلبها، والادريسي هو المؤرخ العربي الوحيد الذي تحدث عن ذلك الذي حدث على يد الحداربة، ولكنه لم يسمهم بالحداربة وسماهم بلو ".
وأطلق البجة على الحداربة أيضاً اسم " بلو " واسم " بلاويت " وكانوا ينادونهم بهذه الأسماء حتى القرن الخامس عشر ([23]).
ويعزو بعض الكتاب سر هذه التسمية للحداربة إلى قبيلة بلي ([24]) العربية اليمنية الحميرية، ويقولون أن جماعات منها هاجرت إلى بلاد البجة في القرن السادس الميلادي واختلطت بأهلها. وأن عرب بلي كانوا من القوة والكثرة العددية حتى أن أسمهم غدا في لغة البجة الأصيلة (البتداوية) مرادفاً للفظ عرب أو عربي ([25]). ولم تكن اللغة العربية التي تكلمت بها بلي مفهومة عند البجة، ولذلك نسبوها لأول من تكلمها في ديارهم ([26]).
وينسب كراون Kirwan كلمة (بلو) خطأ إلى البليميين الحامي الأصل، وهو قول مردود ثبت عدم صحته بما ثبت من أن البلو حميريون من قبيلة يلي هاجروا من جنوب الجزيرة العربية في القرن السادس الميلادي وأنها ليست ذات صلة مسبقة مع قبائل البجة الحامية ([27]).
ويعتقد روسيني Rossini بما أورده في كتابه Studi Su Populazione due Etiopia Rome, 1964  وما نقله عنه Paul ([28]) من  القول بأن هنالك مجموعتين من البلو: مجموعة شمالية وهي مجموعة حدارب العتباي وتلال سنكات، ومجموعة جنوبية كانت نواة مملكة البلو (بني عامر) وهي المملكة التي ازدهرت في الأراضي الواسعة الممتدة ما بين سواكن ومصوع.
ويؤكد بول Paul ([29]) انتماء المجموعة الثانية إلى حدارب العتباي ومنطقة سنكات، ويرى أنها مجموعة انفصلت عن حدارب العتباي وتحركت جنوباً إلى إقليم طوكر في القرن الخامس عشر تاركة مجموعة العتباي مستقرة في موطنها الأولى رغم وفود قبائل عربية أخرى إلى بلادهم ([30]).
ولقد جاء هذا الخلط بين بلو العصور الوسطى وهم حدارب العتباي وقرنائهم أبلو المحدثين (بني عامي) على لسان من زاروا السودان في القرن التاسع عشر نتيجة لما سمعوه من روايات متضاربة ومسميات مختلفة من بقايا الحدارب الذين التقوا بهم في السودان والذين ظل الدم البجاوي يجري في عروقهم رغم دخول دماء أخرى عليهم نتيجة الزواج والمصاهرة.
وتشير المصادر إلى أن السيادة ظلت قائمة للحدارب في إقليم العتباي ومنطقة سنكات من بلاد البجة حتى النصف الأول من القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) حين ازدادت هجرة القبائل العربية إلى تلك البلاد للبحث عن الذهب وبخاصة فبيلتا ربيعة وجهينة ([31]).
وكانت أكبر الهجرات العربية إلى بلاد البجة تلك التي حدثت عقب تأسيس الدولة الطولونية سنة 354هـ وكانت بقيادة المغامر العربي الشهير أبي عبيد الرحمن بن عبد الحميد العمري. وقد اشترك في هذه الحملة أعداد ككبيرة من قبليتي ربيعه وجهينة، وكانوا يرغبون في الاستقرار في أرض المعادن أملاً في الحصول على الذهب والزمرد، ونجح العمري في السيطرة على بلاد البجة.
وكان من أهم النتائج التي ترتبت على نجاح حملات العمري وسيطرته على البجة أن تمت اتفاقيات بين عرب ربيعه وجهينة من جهة ورؤساء الحداربة من جهة أخرى أعطت الحق للقبائل العربية النازحة في الاستقرار الدائم في وادي العلاقي وسمحت لهم بالزواج منهم. ومن أهم هذه الزيجات التي تمت نتيجة لهذه الاتفاقات زواج رؤساء ربيعة من بنات أفراد الحداربة ([32]).
ويروي المسعودى  وهو مؤرخ معاصر لهذه الأحداث ([33])، قصة اندماج ربيعة مع الحداربة فيذكر أنه لما سكن عرب ربيعة ديار البجة اشتدت شركتهم وتزوجوا من بنات الحداربة فقويت الحداربة بهم على سائر قبائل البجة الأخرى، كما قويت ربيعة بالحداربة على من ناواها وجاورها من عرب قحطان وغيرهم من مضر الذين سكنوا ديار البجة ([34]).
ويؤيد المقريزي هذا الذي حدث قائلاً: " ثم كثر المسلمون في المعدن، فخالطوهم وتزوجوا منهم، وأسلم كثير من الجنس المعروف بالحدارب إسلاماً ضعيفاً، وهم شوكة القوم ووجوهم، وهم مما يلي صعيد مصر من أول حدهم إلى العلاقي وعيذاب المعبر منه إلى جدة وما وراء ذلك، ومعهم جنس آخر يعرف بالزنافج، وهم أكثر عدداً من الحدارب، غير انهم تبع لهم وخفراؤهم يحمونهم المواشي. ولكل رئيس من الحدارب قوم من الزنافج في جملة منهم كالعبيد يوارثونهم، بعد أن كانت الزنافج قديماً أظهر عليهم " ([35]).
وبعد موت العمري دخلت ربيعة في حرب مع جهينة وغيرها من القبائل التي نزحت إلى ارض المعدن، وفي هذه الحرب انتصرت ربيعة لاعتمادها على الحدارب الذين تصاهرت معهم. وكانت صلة الحداربة قد توثقت إلى حد كبير مع ربيعة بحيث أصبحت، كما يقول ابن فضل الله العمري: " وهي والبجة كالشيء الواحد " ([36]).
وما أن تحقق لربيعة والحداربة انتصرهما على القبائل المزاحمة لهما حتى قامت ربيعة بطرد هذه القبائل من وادي العلاقي وانفردت بالسيادة في هذه البلاد ([37]).
وبعد أن انفرد بنو ربيعة بالأمر في وداي العلاقي، أقاموا لهم هنالك إمرة عربية كانوا سادتها. وكانت رعيتها قبائل الحداربة البجاوية التي ارتضت ذلك عن طيب خاطر ([38]).
وتقول المصادر أن الحداربة (البلو) ظلوا مسيطرين على وادي العلاقي وعلى ثغري عيذاب وسواكن حتى منتصف القرن السادس عشر ([39]). ويقول ابن بطوطة الذي زار عيذاب سنة 1326م أن ملك البجة المسمى بالحدربي كان يجمع ثلثي دخل الميناء لحسابه بينما يتسلم السلطان منه الثلث ([40]).
وذكر المقريزي أن الحدارب كانوا يمتلكون عيذاب ويتحكمون في الحجاج ([41])، وفي سنة 1426م حطم السلطان المملوكي برسباي ميناء عيذاب وحطم معه قوة الحدارب في العتباي. وكان نفوذ الحدارب قد بدأ في التدهور منذ منتصف القرن الرابع عشر الميلادي وذلك بسبب نضوب الذهب والزمرد في مناجمهما في عهد السلطان محمد بن قلاوون. وحين حكم ميناء عيذاب هرب عدد كبير من الحدارب إلى الجنوب عند طوكر واستقروا هناك بين قبائله ([42]).
وتشير مصادر البجة إلى أن الحداربة (البلو) هاجروا من إقليم العتباي مندفعين جنوباً في أواخر القرن السادس عشر، وأن قبائل الارتيقا حلت مكانهم كسادة لسواكن، وأنهم ورثوا أيضاً منهم اسم الحدارب والحداربة وأنهم عرفوا بهذا الاسم في كل السودان ([43]).
وكانت قبائل الارتيقا، وهي في الأصل قبائل عربية هاجرت من حضرموت واستقرت عند سواكن، وقد زادت من نفوذها هناك بتزاوجها مع قبائل البجة والحداربة. ومما يثبت تملك الأرتيقا الحداربة لميناء سواكن بعد ترك البلو الحداربة له أن الأتراك حين احتلوا ميناء سواكن سنة 1520م، وجدوا الأرتيقا هناك خلفاً للبلو في إدارة الميناء ([44]).
وتقول مصادر البشاريين (وهم فرع من البجة) أنهم طردوا البلو من العتباي في القرن الخامس عشر. بينما تشير التقارير إلى أن البلو لم يطردوا من منطقة سنكات إلا في الربع الأول من القرن السابع عشر ([45]).
ولقد تمت هزيمة الحداربة (البلو) على يد الفونج، أو من المحتمل على يد العبدلاب حوالي سنة 1580 هزيمة ساحقة في معركة في التلال عند أسارا مد رهيب خلف عقيق استمرت ثلاثة أيام. وقتل في هذه المعركة مليكهم محمد إدريس أدارا ولجأ المنهزمون منهم إلى أطراف مصوع واستقروا هنالك وعرفوا هنالك باسم جديد هو بنو عامر ([46]).
وتشير الروايات البجاوية القبلية إلى أن اسم عامر مشتق من عامر بن علي نابط الذي كان والده من شيوخ الجعليين المتصوفين وتزوج من بنات البلو حفيدة محمد إدريس دارا فأنجبت منه عامراً. وكان على " عامر " حين أصبح رجلاً أن يقود جيش البلو لينتقم لمقتل 

والده ([47]).

ومع نهاية القرن السابع عشر نجد أن كل الساحل الأفريقي الشرقي ما بين خور بركة ومصوع تحتله ثلاث مجموعات قبلية رئيسية هي قبائل الحباب وبني عامر والأفلاندا. وبنو عامر يسكنون اليوم المنطقة وشرق خور بركة من عقيق إلى سنهيت ([48]) وهم أميل إلى السكينة من كل البجة، وينقسمون إلى 16 بدنه أو أكثر أشهرها النباطات، وهم رؤوسهم، وينتسبون للجعليين، وهم يتشركون الآن بين السودات وإريتريا.
أما المجموعات الرئيسية من الأرتيقا الحدارب فقد نزحت من سواكن إلى طومر، حوالي بداية القرن التاسع عشر، وهم ينقسمون الآن إلى ثلاث مجموعات: مجموعة قليلة في سواكن، ومجموعة مثلها في القاش يتبعون نظارة الهدندورة، والمجموعة الثالثة هي المجموعة الرئيسية وتسكن في طوكر.
وهناك قبائل الشاياب التي تعد فرعاً من الأرتيقا، ويعيشون حياة قبلية، بينما يسكن غالبية الأرتيقا المدن ويشتغلون بالزراعة والتجارة، بينما اقتصر عمل الشاياب على رعي القطعان والإبل وهم يمثلون البجة الحقيقيين، وهم مبعثرون على طول الساحل ما بين بورسودان وسواكن، وأهم قبائلهم اليوم هي البوشاب والحنسنلاب والعلمنوياب ([49]).
وفي ختام هذا البحث علينا أن نبين فضل الحضارمة في نشر الإسلام بين قبائل البجة، فلقد أدى استقرار هذه القبائل العربية المسلمة بين البجة إلى انتشار الإسلام فيها. وشاهد ذلك تلك المساجد التي بنيت في بلادهم والتي نصت المعاهدة المعقودة سنة 216هـ بين أبن الجهم وكنون بن عبد العزيز رئيس البجة على حمايتها ورعايتها ([50]).
ولقد أشار المقريزي إلى إسلام الحدارب وسيطرتهم على من لم يسلم من البجة من الزنافج. وبالقطع فلقد أدى الوضع الممتاز الذي وصل إليه الحدارب دون بقية البجة بسبب إسلامهم إلى أن تسارع بقية القبائل إلى اعتناق الإسلام حتى تصبح لها نفس امتيازات الحدارب، وأدى كل ذلك إلى انتشار الإسلام بين قبائل البجة.
ونخلص من بحثنا هذا إلى نتيجة مؤداها أن هجرة القبائل العربية إلى وادي النيل هجرة قديمة، طويلة الأمد، متعددة المراحل، عمرها عمر التاريخ نفسه، وأن هذه الهجرة لم تقتصر على أرص الوادي الخصبة فحسب بل اتسع مداها وتعدته إلى الصحراء، وشاهد ذلك ما توصلنا إليه من بحثنا هذا من أن جماعات الحدارب – والتي تسكن الآن صحراء مصر الشرقية وتنتشر على طول الساحل الأفريقي  الشرقي – في الأصل جماعات عربية أصيلة. وهذه الدراسة تفتح لنا الباب لتدارس لغات ولهجات القبائل الأفريقية المتعددة للتعرف على ضوئها على مدى عروبة هذه القبائل وعلى تواريخ هجرتها من الجزيرة العربية إلى البلاد الجديدة التي هاجرت إليها واتخذتها مستقراً ومستوطناً دائماً لها.
هوامش البحث:
مصادر البحث:
- ابن بطوطة، تحفة انتظار في غرائب الأمصار وعجائب الاسفار، طبعة مصر، 1322هـ.
- ابن حوقل، صورة الأرض، ليدن، 1938.
- المسالك والممالك، ليدن، 1873.
- ابن عبد الحكيم، فتوح مصر، ليدن، 1920.
- ابن فضل الله العمري، مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، مخطوطة بدار الكتب المصرية، رقم 559 معارف عامة، جـ 15 القسم الثاني.
- الاصطخري، مسالك الممالك، ليدن، 1927 
- سالم بن حمود السمائلي، إزالة الوعناء عن اتباع أبي الشعتاء، نشر وتحقيق، د. سيدة كاشف، القاهرة، 1979.
- عطية القوصي، تاريخ دولة الكنوز الإسلامية، القاهرة، 1976.
- الطبري، تاريخ الرسل والملوك، القاهرة، الجزء السادس، 1964.
- محمد صالح ضرار، تاريخ السودان، بيروت، 1965.
- محمد عوض محمد، السودان الشمالي، سكانه وقبائله،  القاهرة، 1951.
- الشعوب والسلالات الأفريقية، القاهرة، 1965.
- محمد مصطفى مسعد، البجة والعرب في العصور الوسطى، مقال بمجلة كلية الآداب، القاهرة 1959.
- المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، القاهرة، 1958.
- المقريزي، البيان والأعراب عما بأرض مصر من الأعراب، القاهرة، 1971.
- المواعظ والاعتبار يذكر الخطط والآثار، نشر فييت، القاهرة 1922، طبعة بولاق، 12709هـ.
- نعوم وشقير، جغرافية وتاريخ السودان، بيروت، 1972.
- اليعقوبي، البلدان، ليدن، 1891.
-  تاريخ اليعقوبي، بيروت، 1960.
-  Paul , A history of the Beja Tribes , Cambridge 1971.
-  Mac Michael , A history of the Arabs in the Sudan , New York , 1967.
-  Kirwan , “ A survey of Nubian ,” S. N. R. V. XXX (II) , 1937.
-  Budge , the Egyptian Sudan , London , 1907.
-  Arkell , a history  of the Sudan , London 1061.


*  يعمل مدرساً بقسم التاريخ بكلية الآداب والتربية – جامعة الكويت ، حصل على درجة الدكتوراه من كلية الآداب جامعة القاهرة ، سنة 1973.
من مؤلفاته :
- تاريخ دولة الكنوز الإسلامية ، القاهرة 1976.
- تجارة مصرفي البحر الأحمر منذ فجر الإسلام حتى سقوط الخلافة العباسية القاهرة 1976.
- اليهود في ظل الحضارة الإسلامية ، القاهرة 1978.


([1]) المقريزي ، المواعظ بذكر الخطط والآثار ، نشر جاستون فبيت G. Wiet ، القاهرة 1922 ، جـ 3 ، القسم الثاني ، ص 27.
([2]) تمتد أوطان البجة الحالية من محافظة أسوان في الشمال إلى الأطراف الشمالية لهضبة الحبشة في الجنوب ومن البحر الأحمر في الشرق إلى النيل ونهر عطبرة. وهم ينقسمون في الوقت الحاضر إلى أربع قبائل كبيرة هي : البشاريون في الشمال ، ويليهم جنوباً الأمرار ، ثم الهدندوة ، ثم بنو عامر. وتوجد بالإضافة إلى ذلك قبائل صغيرة مثل : الأشراف والأرتيقا والحالنقا وغيرهم ، وكلهم يدينون بالإسلام. ولم يبق من يتسمى الآن بالبجة إلا طائفة صغيرة محتقرة في الصحراء الشرقية في بني عامر ( نعوم شقير ، تاريخ السودان القديم والحديث وجغرافيته ، القاهرة 1903 ، جـ 2 ، ص 67 ).
([3]) تاريخ اليعقوبي ، بيروت 1960 ، جـ 1 ، ص 192.
([4]) مسالك الممالك ، نشر دي خويه ، لندن ، ص 54.
([5]) المقريزي ، الخطط ، نشر فييت ، جـ 3 ، في 2 ، ص 267.
([6]) Kirwan. A survey of Nubian origins ( Sudan notes and records). vol. XX , ( II ) , 1937 , p. 60.
([7]) اشتهرت أرض البجة منذ القدم بوجود كميات كبيرة من الذهب والزمرد في أرضها ، ودلت البحوث على أن قدماء المصريين استغلوا مناجم تلك البلاد منذ سنة 1980 ق. / ، فصاعداً ( سليم حسن ، مصر القديمة ، القاهرة ، 1950 ، جـ 6 ، ص 101 – 104 ).
- وتشير بردية تورين ، وهي أقدم خريطة في العالم ، إلى أن مناجم العلاقي هي اقدم مناطق استخراج الذهب في وادي النيل. وقد أجمع المؤرخون والرحالة المسلمون على استمرار وجود معدن الذهب في بلاد البجة وقت نزول القبائل العربية بها. كذلك يجمع المؤرخون المسلمون وعلى أن منطقة العلاقي هي المنطقة الوحيدة في العالم التي يوجد بها الزمرد والي كانوا يطلقون عليه اسم الزبرجد ( أبن حوقل : صورة الأرض ، نشر كرامرز، ليدن 1938 ، القسم الأول ، ص 150 ، الإدريسي ، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق ، طبعة ليدن 1866 ، ص 22 ، اليعقوبي ، تاريخ اليعقوبي ، طبعة بيروت 1960 ، جـ 1 ، ص 191 ).
([8]) تحدث المسعودي عن الزمرد حديثاً جميلاً وفرق بين أنواعه في كتابه مروج الذهب ، طبعة القاهرة 1958 ، جـ 1 ، ص 248 – 250. كذلك تحدث عنه النيفاشي وفرق بين الزمرد وبين الزبرجد وذكر أنهما معدنان لا معدن واحد وذلك في مخطوطته : أزهار الأفكار في جواهر الأحجار ، مخطوطة بدار الكتب المصرية ، رقم 136 طبيعيات ، جـ 1 ، ص 57 ، 58.
([9]) Paul , A History of the beja tribes , Cambridge 1971 , p. 64.
([10]) صورة الأرض ، القسم الأول ، ص 57.
([11]) رحلة ابن بطوطة ، جـ 1 ، القاهرة 1222 ، ص 36.
([12]) محمد عوض محمد ، السودان الشمالي ، سكانه وقبائله ، القاهرة 1951 ، ص 44.
([13]) نقل المقريزي معلوماته عن البجة مما وجده في كتاب تاريخ مقره وعلوه والبجة والنيل لابن سليم الأسواني ، وهو كتاب مفقود ، وكان ابن سليم قد أرسل في بعثة إلى ملك النوبة في بداية حكم الفاطميين لمصر أيام الخليفة المعز لدين الله الفاطمي سنة 360هـ / 970م. انظر خطط المقريزي ، نشر فييت ، جـ 3 ، القسم الثاني ، ص 267 ، 268.
([14]) أشار المؤرخون إلى هجرة أعداد من قبيلة بلي اليمنية إلى بلاد البجة في القرن السادس الميلادي ( Paul , op. cit., PP. 65 – 66.  ) ولحقت بهذه الأعداد أعداد أخرى من نفس القبيلة غداة الفتح واستقرت في ميناء عيذاب.
- ومما يدل على أن هنالك انتقالات من بلاد العرب إلى مصر قبل الإسلام تلك الإخبار التي وردت في القصص العربي القديم عن قيام الحميرين بحملات عسكرية في وادي النيل الأوسط وشمال أفريقية ، وأن هذه الحملات تركت وراءها جماعات استقرت في بلاد النوبة وأوطان البجة ( ابن خلدون ، العبر ، جـ 1 ، القاهرة 1284 هـ ، ص 176 ).
([15]) المقريزي ، الخطط ، نشر فييت ، جـ 3 ، ق 2 ، ص 27.
([16]) Mac Michael. A history of the Arab in the Sudan. New York : 1967 , vol II. 
P. 105.
   وولي عبد الملك بن مروان الحجاج على العراق سنة 75هـ وتوفي بمدينة واسط  سنة 95هـ ، وهو ابن أربع وخمسين سنة.. الطبري ، تاريخ الرسل والملوك ، جـ 1 ، القاهرة 1964 ، ص 202 ، 493.
([17]) ورد ذلك في الإبدال في القرآن الكريم بتسمية مدينة مكة ( بكة )... ( أن أول بيت وضع الناس للذي ببكة مباركاً... ).
([18]) اعتمد عليها كل من Mac Mzichael و Paul  و Budge  و Murray  وغيرهم ممن كتبوا في تاريخ السودان الوسيط.
([19]) هي كتب تحتفظ بها القبائل ، مسجل بها شجرة القبيلة وأصولها وبطونها ، يتوارثها الخلف من السلف ، لأنها تحتوي على تاريخ القبيلة وأصولها وأنسابها.
([20])  Mac Michael , op. cit., II , p. 348. 
([21])Ibid., PP. 469 – 350. 
([22]) Paul , A history of the beja tribes , P. 67.
([23]) Paul , op. cit., P. 64.
([24]) كانت قبيلة بلي تستقر في شمال الحجاز ، وجاءت إلى مصر جماعة كبيرة منهم وقت الفتح بأمر الخليفة عمر بن الخطاب ( ابن عبد الحكم ) ، فتوح مصر ، نشر ماسية ، ليدن 1920 ، ص 111 ) ، وعند مقدمهم إلى مصر حدث خلاف كبير بينهم وبين أقربائهم من جهينة ، وتم أخيراً الاتفاق بينهما على أن تستقر بلي في منطقة ميناء عيذاب على البحر الأحمر.
([25]) مصطفى مسعد ، البجة في العصور الوسطى ، مقال بمجلة كلية الآداب ، جامعة القاهرة ، المجلد 21 ، العدد الثاني ، 1959 ، ص 13.
([26]) محمد صالح ضرار ، تاريخ السودان ، ص 31.
([27]يظن نعوم شقير ( جغرافية وتاريخ السودان ، بيروت 1972 ، ص 377 ) ، أن عرب بلي هم أول من خالط البجة من العرب ويقول أنك إذا سألت البجاري الآن : أتعرف العربية ؟ يجيبك ( بلوبة كاكا ) أي لا أعرف العربية.
([28])Paul , op. cit., P. 66.
([29])Ibid., p. 65.
([30])Paul , op. cit., pp. 64 – 66.
([31]) ابن حوقل ، صورة الأرض ، ص 53.
([32]) المقريزي ، الخطط ، نشر فييت ، الجزء الثالث ، القسم الثاني ، ص 277.
([33]) توفي المسعودي سنة 346هـ.
([34]) المسعودي ، مروج الذهب ومعادن الجوهر ، القاهرة 1958م ، جـ 1 ، ص 245.
([35]) المقريزي ، نفس المصدر السابق ، ص 277 ، وطبعة القاهرة 1922 ، ص 272 ، 273.
([36]) ابن فضل الله العمري ، مسالك الأبصار في ممالك الأمصار ، مخطوطة بدار الكتب المصرية ، ربم 559 معارف عامة ، جـ 15 ، القسم الثاني ، ورقة 419.
([37]) كانت قبيلة يونس من بين هذه القبائل التي طردتها وكانت أحد بطونها بعيذاب فسارت إلى الحجاز ( المقريزي – البيان والأعراب ، القاهرة 1971 ، ص 44 ).
([38]) Arkell : A history of the Sudan , p. 189.
   عرفت هذه الإمارة باسم إمارة بني الكنز ، وعن هذه الإمارة وتطور أحوالها انظر للكاتب كتاب تاريخ دولة الكنوز الإسلامية ، القاهرة 1976.
([39]) Paul , op. cit., P. 16.
([40]) رحلة ابن بطوطة ، جـ 1 ، ص 36.
([41]) المقريزي ، الخطط ، طبعة القاهرة ، جـ 1 ، ص 358.
([42]) Paul , op. cit., P. 16.
([43]) Ibid., p. 140.
([44]) Paul , op. cit., P. 11.
([45]) Ibid., P. 18.
([46]) Ibid., P. 82.
([47]) Ibid., pp. 82 – 83.
([48]) نعوم شقير ، جغرافية وتاريخ السودان ، ص 60.
([49]) محمد صالح ضرار ، تاريخ السودان ، ص 101.
([50]) عن نص المعاهدة ، انظر خطط المقريزي ، طبعة بولاق جـ 1 ، ص 194 ، 195.

للتحميل اضغط     هنا

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة