غريزة البقاء أم نزوع الضبط الواعي: كيف ينجب البشر في ظلّ الأزمات؟

 غريزة البقاء أم نزوع الضبط الواعي: كيف ينجب البشر في ظلّ الأزمات؟





د. مدى شريقي

مجلة الأوان الإلكترونية- 2019م- ص ص 1 - 14:

أواخر شهر آذار/مارس من العام المنصرم، نقلت شاشات التلفزة وصفحات الإنترنت صورًا لآلاف المدنيين السوريين يغادرون مختلف مناطق غوطة دمشق الشرقية. محمولين على الأذرع أو تائهين بين الأرجل، كانت الكاميرات تلاحق وجوهًا تائهة النظرات لمئات الأطفال الخارجين مع عائلاتهم. وسرعان ما انتشرت في شأنهم تعقيبات وردود أفعال، وخصوصًا على وسائل التواصل الاجتماعي، امتزجت فيها غالبًا مشاعر حزن وأسف لأطفال ولدوا في عالم الحرب وتفتحت أعينهم على العنف والعزلة والفاقة، ومشاعر غضب واستنكار، قد تصل حدّ النفور والاحتقار، تجاه ذويهم. طرح الكثيرون سؤالًا، وهو سؤال يطرح نفسه بالفعل في مثل هذه الأحوال الاستثنائية: كيف يتزوج الناس وينجبون في ظروف غاية في العنف وغياب الأفق كتلك التي خرج منها سكان الغوطة الشرقية؟ ألا يتحمل الآباء والأمهات مسؤولية المآسي التي عاشها صغارهم لاتخاذهم القرار "الخاطئ" بالإنجاب في مثل هذا الوضع؟ ما هي الدوافع التي تحدو بزوجين إلى إنجاب طفلٍ في هذه الظروف، وهل يفكران بالفعل في عواقب ما يفعلان؟
    هذه العبارات ذات الطابع "التقويمي"، والتي تحكم في حالات كثيرة بالجهل والتخلف على الفئات المعنية بهذا الإنجاب ضمن ظرفٍ استثنائي، تنسحب في أحيانٍ كثيرة على مشاهد أخرى في عالمنا المليء على الدوام بالأزمات من كل نوع. تنسحب على صور مئات الآلاف من اللاجئين في أنحاء العالم، تلتقطهم الكاميرات وعلى أذرع نسائهم، في مخيمات بائسة، رضيع نحيل. وتنسحب على المشردين لسنين بعد تعرض أراضيهم أو مناطق سكنهم لكوارث طبيعية، وعلى ضحايا المجاعات الذين يحضنون أطفالاً يكافحون بعناء للبقاء أحياء.
    والحال إنّ هذه التساؤلات التي كثيرًا ما تُطرح، وتُقترح بخصوصها إجابات سريعة، بل قل متسرعة؛ شكلت وتشكل محور انشغالٍ رئيس في الفكر الديموغرافي عمومًا، والديموغرافي – الاجتماعي خصوصًا، وكانت موضوع العديد من الدراسات النظرية والتطبيقية التي تناولت، باستخدام مناهج وبالانطلاق من محاور متباينة، تعقّد واقع الزواجية والإنجاب في ظل الأزمات على اختلافها. وواقع الأمر أنّ هذه الدراسات لم تصل إلى نتيجة واحدة وموحدة في خصوص هذه المسألة الشائكة، فلا مجال هنا لقراءات متسرعة وتبسيطية. الزواج، وإنجاب الأطفال، هو فعل يتعدى الحدود الفردانية الذاتية فيخضع في كليّته إلى جملة من العوامل الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي توجه بشكل أو بآخر إرادة الأفراد وتحكم توجهاتهم. ويتجلى أثر هذه العوامل المجتمعة، المتجاوزة لفردانية الفرد من دون إلغاءٍ تامٍّ لها، أكثر ما يتجلى في ظل ظروف الحروب والكوارث الطبيعية والأزمات على اختلافها. فالتخلخلات الحاصلة ستترك ولا ريب آثارًا حاسمة في القرارات الفردية، والجمعية على مستوى المجتمع المحلي المعني بالأزمة، والجماعية على المستوى الكلي الأعم للجماعة الاجتماعية.

author-img
كوكب المنى

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent