على أطلال الأندلس [الأمير عبد الرحمن الناصر]

على أطلال الأندلس [الأمير عبد الرحمن الناصر]

ثقافة تاريخية


بعد الضعف الذي مرت به الأندلس من تشتت و إنحطاط و ظلم و تعسف و ظهور الطبقية و التمييز بين المجتمع الأندلسي المسلم ، و بعد مكائد الأعداء و سعيهم في بث الفتنة و التفرقة 

و كأن التاريخ يعيد نفسه ، فحين يفرح الأعداء بإنتصاراتهم و  ينتظرون سقوط الإسلام و إندثاره يظهر بطل من رحم هذه الأمة يغير مجرى التاريخ و يقضي على أوهام الأعداء و يعيد للمسلمين عزتهم 


فقد قرر عبد الرحمن الناصر رحمه الله أن يبدأ أولاً بالقضاء على ثورة عمر بن حفصون أو صمويل بن حفصون فهو الخطر الأكبر حينها ، حيث يأتيه المدد من ممالك النصارى في الشمال، ومن الدولة الفاطمية في الجنوب، ومن إشبيلية؛ لأن حاكمها من أولاد حجاج، وهو حاكم مسلم، لكنه متمرد على سلطة قرطبة ، فأراد عبد الرحمن الناصر رحمه الله أن يقطع عليه المدد القادم من هذه الأماكن الثلاثة، ولكن بمن يبدأ؟ هل يبدأ بالنصارى أو بالدولة الفاطمية أو بإشبيلية؟! فكر عبد الرحمن الناصر رحمه الله في أن يهجم على إشبيلية أكبر مدن الجنوب بعد قرطبة ، فهو يؤمل أن يرغم حاكمها على الانضمام أو الانصياع له بالقوة، وأن ينضم إليه جيش إشبيلية المسلم، فبذلك تقوى جيوش الدولة الأموية في هذه الفترة، وهذا ما فعله بالفعل، فذهب إلى إشبيلية سنة (301هـ) أي: بعد أقل من سنة من ولايته، واستطاع بفضل الله سبحانه تعالى وكرمه ومنه وجوده على المسلمين أن يضم إشبيلية، فقويت شوكته جداً رحمه الله


ثم تعمق في الجنوب أكثر حتى وصل إلى مضيق جبل طارق؛ فاستولى عليه، وبذلك قطع المساعدات الفاطمية التي تقدم عن طريق جبل طارق، والمساعدات التي تأتي من الدول النصرانية

ونتيجة لهذه الأمور فإن صمويل بن حفصون طلب من عبد الرحمن الناصر رحمه الله المعاهدة وصلح الأمان على أن يعطيه (162) حصناً، فوافق عبد الرحمن الناصر رحمه الله؛ لأن البلاد عنده متقلبة شديدة التقلب، وهو يريد أن يتفرغ لغيره

فالأندلس في سنة (302هـ) كانت مقسمة إلى ستة أقسام: قسم واحد في يد عبد الرحمن الناصر ويشمل قرطبة وإشبيلية وما حولها، وخمسة أقسام موزعة على خمسة من المتمردين.


إذاً: المتوقع من عبد الرحمن الناصر رحمه الله أن يقاوم من جديد إحدى هذه التمردات من حوله، لكنه يفاجئنا ويفاجئ الجميع بأمر يجعل الواحد منا يقف فاغراً فاه لهذا الرجل المعجزة عبد الرحمن الناصر رحمه الله ، يترك عبد الرحمن الناصر كل هذه المؤامرات، ويتجه إلى الشمال الغربي، ليقاتل قوات النصارى في مملكة ليون التي هجمت على منطقة من مناطق المتمردين في غرب الأندلس، فيحاربهم لمدة سنتين كاملتين في أرض المتمردين.


ثم بعد أن ينتصر عليهم انتصارات كبيرة ويعود محملاً بالغنائم يترك البلاد ويعود إلى قرطبة وإشبيلية، وكأنه يعلم الناس أمراً في منتهى الوضوح، لكنه كان قد خفي عنهم، وهو أن العدو الحقيقي هم النصارى في الشمال وليست الأعداء من داخل المسلمين، وبهذا الفعل أحرج عبد الرحمن الناصر المتمردين إحراجاً كبيراً أمام شعوبهم، وحرك العاطفة في قلوب الشعوب نحوه، وكذلك تتحرك عواطف الشعوب تجاه من يدافع عن قضاياها الخارجية، ومن يقاتل أعداءها الحقيقيين

وهي نصيحة لكل المسلمين أن يوجهوا الشعوب إلى الأعداء الحقيقيين، بدلاً من تصارع كل قطرين مسلمين على الحدود بينهما، فنركز على قضية فلسطين، أو الشيشان، أو كشمير أو البوسنة أو كوسوفا أو غيرها من قضايا المسلمين الحقيقية


فقد أنشأ بطلنا الحضارة العظيمة في بلاد الأندلس، وأنشأ هياكل إدارية على أعلى مستوى ، وقام بالحضارة المعمارية، فأنشأ مدينة ضخمة جداً تسمى مدينة الزهراء في الشمال الغربي لقرطبة ، وأنشأ قصر الزهراء، ولم يكن في الإسلام قصر مثل قصر الزهراء، وبالغ في إنشائه حتى أصبح من معجزات زمانه و هو موجود ليوم الناس هذا 

ومن الناحية العسكرية فقد أنشأ أسطولاً بلغ أكثر من مائتي سفينة في زمانه، وبلغ الجيش أكثر من مائة ألف فارس، وزاد في مصانع الأسلحة 

ومن الناحية الاقتصادية فقد اهتم جداً بالزراعة، حتى كثرت الفواكه، واهتم بزراعة القطن والكتان والقمح، واهتم جداً بقوانين الزراعة.

وأيضاً في مجال الصناعة والمناجم، فقد اهتم باستخراج الذهب والفضة والنحاس، واهتم بصناعة الجلود والسفن وآلات الحرب والأدوية

ولم تقم ثورات أبداً في النصف الثاني من خلافته رحمه الله، وأنشأ ما يعرف بمحاكم المظالم، وهي شبيهة جداً بمحاكم الاستئناف في هذه الآونة، وطور المحاكم وأقام الشرع إقامة محكمة دقيقة، ما فرط قدر استطاعته في كلمة من كلمات الله، أو في كلمة من كلمات رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم

وذاع صيت عبد الرحمن الناصر في الدنيا جميعاً، ورضيت عنه ممالك الشمال بالعهد والجزية، وجاءت السفارات من كل أوروبا تطلب وده، فقد جاءت من ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وإنجلترا وبيزنطة في أقصى بلاد شرق أوروبا محملين بالهدايا


المصدر:

كتاب الأندلس من الفتح إلى السقوط، د.راغب السرجاني

author-img
كوكب المنى

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent