U3F1ZWV6ZTIxMzgzNDc4MzQ4X0FjdGl2YXRpb24yNDIyNDUzMDg1MTg=

الحاج ركان عرب الأهوار - فلانين هدجكوك.pdf

الحاج ركان

عرب الأهوار فلانين


للضابط السياسي في منطقة العمارة 

فلانين هدجكوك زوجته




تأليف 

فلانين هدجكوك 


ترجمة

د. جميل سعيد
 
د. إبراهيم شريف


الدار العربية للموسوعات - بيروت


الطبعة الأولى 

2006م




  الأهوار هي المساحات الشاسعة المغمورة بالمياه في جنوب العراق، حيث تقطنها مجموعة من القبائل العربية التي تعتاش على ما تزخر به بيئة الأهوار من موارد زراعية و أسماك وطيور. وقد كانت الأهوار وما زالت ذات جاذبية للكثير من السياح والباحثين والزوار. وعرب الأهوار الذين يتناولهم هذا الكتاب، عبارة عن اتحادين قبليين كبيرين هما: بنو محمد، وبني لام، وهذان الاتحادان يسكنان على جانبي نهر دجلة بين منطقتي كوت الإمارة شمالاً وبين القونة جنوباً. وهي تتألف من منطقة صحراوية شاسعة إضافة إلى الأهوار غير الواضح الحدود.
    أما مؤلفا الكتاب فهما مستر هدجكوك وزوجته وقد قضيا في العراق عدة سنوات. وكان الزوج ضابطاً سياسياً في منطقة العمارة زمن الانتداب البريطاني على العرق. وقد أورد المؤلف أحاديثه على لسان الحاج راكان أحد أعراب الهور وقائد الزورق الذي يركبه المؤلف وينتقل به.
   وقد حرص المؤلفان أن يظهر الحديث بمظهر السهولة والبساطة التي أوردهما به المؤلف. كما ينقل المؤلف ألفاظاً محلية لسكان الأهوار ولم يترجمها إلى لغته ولا يخلو الكتاب من تصوير بلاغي بديع للنواحي الجغرافية الطبيعية والبشرية للمنطقة وسكانها.

كتاب (الحاج ركان/ عرب الأهوار) لـ «فلانين» (1)-(2)


4  “يرجع الفضل في تأليف هذ الكتاب الى الآنسة جيرترود لوثيان بيل، فهي التي اقترحت علينا تأليفه. وكانت قد وعدتنا بأن تكتب مقدمة له، ولكن وفاتها المبكرة حالت دون ذلك، ولانملك الآن سوى ان نعترف لها بفضل اهتمامها الكبير بالموضوع ” باشارة الوفاء للمرأة التي توفيت قبل إنجاز الكتاب بسنوات يبدأ ” فلانين” كتابهم ( الحاج ركان / عرب الأهور) وفلانين هما هدجكوك الضابط السياسي في العمارة زمن الانتداب الانكليزي في عشرينات القرن الماضي وزوجته، ساعدت هدجكوك اجادته اللغة العربية، وشغفه باكتشاف المنطقة التي يعمل فيها، وكثرة تنقله فيها على تأليف هذه الوثيقة التاريخية المهمة والمشوقة. انهى المؤلفان كتابهم في حزيران 1927، وترجمه عبد 20 عاما الاساتذة جميل سعيد وابرهيم شريف. يحوي الكتاب ثلاثة عشرة فصلا موزعة على 230 صفحة ، شخوص هذا الكتاب هم افراد قبيلتي بني لام وآلبو محمد، العشيرتان اللتان تسيطران على النسبة الكبرى من اراضي محافظة العمارة ويمتد نفوذهما الى محافظة الكوت. اما المكان الذي تدور فيه الأحداث فهي أهوار العمارة والاراضي القرى القريبة منها.
   فك المترجمان لغز تسمية المؤلف باسم ” فلانين” وهما هدجكوك وزوجته، لكن ” فلانة المحبوبة ” التي كتب الاهداء اليها باللغة العربية فلم يعرفا شخصها، وإن رجحا ان تكون مسز بيل التي اقترحت الكتاب كما مر قبل قليل، يصف المترجمان المؤلف بانه قوي الملاحظة، بارعا في تصوير الحقائق والتشويق اليها.
   أورد المؤلف أحاديثه على لسان الحاج ” ريكان” أحد أعراب الهور وقائد الزورق الذي يركبه المؤلف ويتنقل فيه .
   يشير المترجمان الى أن ما أبداه المؤلف من تصوير بديع للنواحي الجغرافية، الطبيعية والبشرية لمنطقة الأهوار وسكانها، دفعهما الى الذهاب الى الأماكن التي تحدث عنها المؤلف وزيارة سكان القرى التي مر بها، متجاهلين ما سمعا من أحاديث الأصدقاء حول الصعوبات التي ستواجهم في الأهوار. وفي مساء 28 كانون الثاني 1948 ركب الاثنان القطار الذاهب الى البصرة ومن محطة أور اتجها صوب الناصرية ومنها لأهوار الجبايش ليصلا في النهاية الى هور الحمار والحويزة.
   تعيد جريدة العالم نشر كتاب ( الحاج ركان/ عرب الأهوار ) في حلقات متمنية لقراءها الفائدة العلمية والاستمتاع بموضوع الكتاب الساحر ولغته العذبة والبسيطة.

 عنوان الكتاب: الحاج ركان.. عرب الأهوار

 المؤلف: فلانين/ تعريب: د. جميل سعيد – د. إبراهيم شريف
 الناشر: جامعة بغداد
 تاريخ الإصدار: 1996
 الفصل الاول
كتاب «الحاج ركان.. عرب الأهور» لـ «فلاتين» (1)-
 ظروف «المعيدي» القاسية تجعل كمال ضيافته مستحيلا ومع ذلك يقدم لك ما عنده بكرم
  “يرجع الفضل في تأليف هذ الكتاب الى الآنسة جيرترود لوثيان بيل، فهي التي اقترحت علينا تأليفه. وكانت قد وعدتنا بأن تكتب مقدمة له، ولكن وفاتها المبكرة حالت دون ذلك، ولانملك الآن سوى ان نعترف لها بفضل اهتمامها الكبير بالموضوع ” باشارة الوفاء للمرأة التي توفيت قبل إنجاز الكتاب بسنوات يبدأ ” فلاتين” كتابهم ( الحاج ركان / عرب الأهور) وفلاتين هما هدجكوك الضابط السياسي في العمارة زمن الانتداب الانكليزي في عشرينات القرن الماضي وزوجته، ساعدت هدجكوك اجادته اللغة العربية، وشغفه باكتشاف المنطقة التي يعمل فيها، وكثرة تنقله فيها على تأليف هذه الوثيقة التاريخية المهمة والمشوقة. انهى المؤلفان كتابهم في حزيران 1927، وترجمه عبد 20 عاما الاساتذة جميل سعيد وابرهيم شريف. يحوي الكتاب ثلاثة عشرة فصلا موزعة على 230 صفحة ، شخوص هذا الكتاب هم افراد قبيلتي بني لام وآلبو محمد، العشيرتان اللتان تسيطران على النسبة الكبرى من اراضي محافظة العمارة ويمتد نفوذهما الى محافظة الكوت. اما المكان الذي تدور فيه الأحداث فهي أهوار العمارة والاراضي القرى القريبة منها.
  فك المترجمان لغز تسمية المؤلف باسم ” فلانين” وهما هدجكوك وزوجته، لكن ” فلانة المحبوبة ” التي كتب الاهداء اليها باللغة العربية فلم يعرفا شخصها، وإن رجحا ان تكون مسز بيل التي اقترحت الكتاب كما مر قبل قليل، يصف المترجمان المؤلف بانه قوي الملاحظة، بارعا في تصوير الحقائق والتشويق اليها.
  أورد المؤلف احاديثه على لسان الحاج ” ريكان” أحد أعراب الهور وقائد الزورق الذي يركبه المؤلف ويتنقل فيه .
   يشير المترجمان الى أن ما أبداه المؤلف من تصوير بديع للنواحي الجغرافية، الطبيعية والبشرية لمنطقة الأهوار وسكانها، دفعهما الى الذهاب الى الأماكن التي تحدث عنها المؤلف وزيارة سكان القرى التي مر بها، متجاهلين ما سمعا من أحاديث الأصدقاء حول الصعوبات التي ستواجهم في الأهوار. وفي مساء 28 كانون الثاني 1948 ركب الاثنان القطار الذاهب الى البصرة ومن محطة أور اتجها صوب الناصرية ومنها لأهوار الجبايش ليصلا في النهاية الى هور الحمار والحويزة.
  تعيد جريدة العالم نشر كتاب ( الحاج ركان/ عرب الأهوار ) في حلقات متمنية لقراءها الفائدة العلمية والاستمتاع بموضوع الكتاب الساحر ولغته العذبة والبسيطة.

عنوان الكتاب: الحاج ركان.. عرب الأهوار

المؤلف: فلاتين/ تعريب: د. جميل سعيد – د. إبراهيم شريف
الناشر: جامعة بغداد
تاريخ الإصدار: 1996

628x471هبات الهور-(2)

   الهور يزود سكانه بكل حاجياتهم تقريباً. فلهم من القصب والبردي ما يبنون به أكواخهم ومضايفهم، ولهم منه ما يوقدون وما يفرشون. ولهم منه ما تنسج السلال، وتفتل الحبال. ولهم منه غذاء الجاموس الذي يعتبر لبنه الخاثر مع السمك المتوفر لديهم غذائهم الرئيس. ولهم منه كذلك ما يبيعونه حطباً للوقود او يبيعونه حصراً مجدولة تستعمل بكثرة لأغراض كثيرة في انحاء العراق. وهم يشترون من أثمان ما يبيعونه حاجياتهم البسيطة كتلك التي يبيعها الحاج ركان مثلاً او يشترون بندقية. والبندقية في مثل هذه الاماكن النائية ذات الثارات تعد من الضروريات التي لا يستطيع الانسان الاطمئنان على حياته بدونها.
    حاجيات أكواخ المعدان يسيرة وقليلة. وفي وسع صاحب الكوخ، حين يرى بادرة خطيرة، أن يلف حصره التي تؤلف كوخه ويسوق جاموسه أمامه ويندس في قلب الهور. وبذلك يستطيع ان يتحدى العالم الخارجي كما فعل اسلاف له من قبل.
  واقتربنا من أكبر ايشان فوجدنا عدداً من النسوة عند حافة الماء قد تجمعن يغسلن قدوراً سوداً. والنسا عادة هن الزبائن اللائي يعلق الحاج ركان عليهن امله. وعندما رآهن حياهن صائحاً- اليّ يا نساء.. اليّ… عندي الشكر والشاي والقهوة والتبغ… والخيار والبصل وزنة بوزنة من التمن… عندي المرايا للعرائس… عندي الابر والخوط والامشاط… تعالوا يانسوان… تعالوا ياجميلات.. تعالوا…
Women-5  وبدت لي التجارة كاسدة. فقليلات هن اللواتي أقبلن يحملن بعض الارز في سلال على رؤسهن وجلسن القرفصاء على الارض للمساومة. وجاءه رجل بجلد حيوان ليستبدل به. كما جاءته عجوز بغرارة من الريش. ثم انتهت بعد ذلك الصفقات التجارية.
وانتقلنا الى الجزر الاخرى. وكان الحاج ركان ينادي على بضاعته ولكن لا مجيب له.. ودفع بهلول بنا القارب ثانية في مجرى من المجاري المتكاثفة بالقصب وسرعان ما حجب القصب منظر القرية عنا. وبقي الحاج ركان يغمغم- والحسن والحسين… لا أثر للنقود في العراق اليوم. لقد اصبحت مثل حمار صاحب الحمام.. لا عمل له الا حمل الوقود الى النار ثم حمل رماد النار-. وأضاف بهلول معقباً- او مثل الجمل الذي يحمل التمر ويأكل الشوك-. فأمن الحاج ركان على كلامه بقوله: ايوه… ايوه… ان عملي الآن لا يأتي بفائدة. وهو كما يقول المثل-((مثل عباس او عرر… خمس عشرة سنة جندي.. ولسه بعده نفر)).. آه.. ما يخالف… الله كريم-. وبهذه الكلمات القى الحاج ركان كل متاعب الحياة.
  وعدنا الى سابق صمتنا. وكنت أفكر في الفارق العجيب بين حياة القذارة والجهل يحياها هؤلاء الناس مع حيواناتهم التي تشاركهم السكنى في أكواخهم ولا يختلفون عنها كثيراً، وقصة الحاج ركان التي تدل على تقديسهم مثلهم, قصة نفوس ذهبت طواعية في سبيل الثأر لشخص غريب عدت حمايته مسألة تتعلق بالشرف.. أكون هذا دليلاً على أن شعب هذه البلاد سيكون في يوم ما أمة عظيمة. أم هل هذا هو النفس الاخير لشعب مجيد قد تدهور..!؟
  هذا ما كنت أفكر فيه. أما فيك كان الحاجي وبهلول يفكران لا أدري. وأما جهلول فانه كان يفكر، على ما يبدو، فيما ظل يفكر فيه طوال اليوم. فانني اسمعه الآن يغني بصوت حزين أغنية لمحبوبته.. أغنية ضاعت بعض مقاطعها بين نقيق الضفادع الذي أخذ يتعالى بقدوم المساء.
– اليوم هو الرابع عشر من أيامك ايها البدر الكامل
والسنة هي الرابعة عشرة لحبيبتي التي لها عيون الظباء
ووجهها مع ذلك، اصفى من وجهك واجمل ايها القمر العالي
وليت لك شفتاها القرمزيتان
وليت لك اسنانها اللؤلؤ المنضود
وليت لك ضفائرها المجدولة المرخاة على متنها.
iraqmarsh





أطول الرحلات

  جلسنا في عصر يوم من أيام الربيع نستدفيء في الشمس، وكانت القرية ساكنة، كأنها أخذت بسنة من النوم. وسكتت الدنيا الا من هدير ((مجرشة))( ) يتهادى الى مسامعنا من وراء الهور الصغير الذي يفصل صريفة الحاج ركان عن بقية الصرائف. وفي جزيرتنا الصغيرة وحدها كانت الجلبة، لأننا كنا نعد العدة لرحلة طويلة لعلها أطول الرحلات التي قمت بها مع صديقي التاجر المتجور الحاك ركان.
  الكرم شيمة العرب اهل الصحراء وهم مضرب المثل به. والمعدان ايضاً، وان كانوا قد أخذوا بالفقر والتعاسة الا ان الكرم بينهم ليس بالقليل. انهم يحرصون حرصاً شديداً على ان يحتفظوا ببعض الزبد وببعض الكماليات الاخرى للمناسبات المفاجئة. وها نحن أولاء اليوم نرى الحاج ركان،- بالرغمن من ان اللحك يعد من اندر الكماليات- يقوم بذبح حمل اكراماً لضيفه العزيز.
  وفي العشة كانت النساء منشغلات بالنار وما حولها. أما نحن، الحاج ركان وأنا وبهلول، فقد جلسنا على بساط صغير في العشة لا نعمل شيئاً، وتلك هي عادة الرجال هناك، أما جهلول فقد قلق به مكانه وراح يتنقل من هنا الى هناك. وكان يتنقل وخنجره مسلول بيده، ذلك لأنه ((عريس)) جديد، وهم يعتقدون أن مثله تحسده الجن وتحقد عليه.
  وأما عروسه فقد جلست صامتة في قارب الحاج ركان تفكر في عالمها الجديد وتتخ من صفحة الماء مرآة ترى فيها جمال عرسها وتتطلع الى ملابسها الجديدة الزاهية التي لم يلطخها الوحل بعد ولم تحل الشمس لونها. كانت فتاة صغيرة في الخامسة عشرة من عمرها، جميلة متكاملة الجسم، تظلل جبينها خصلة متدلية من الشعر الفاحم، وتحلي أنفها حلية من الفضة زينت بفصوص زرق. أما حنكها( ) فقد زينته بوشم أزرق.
  وتهاوت شمس الاصيل وأقبل المساء. وهدأت القرية وبانت صرائفها الصفر والسمر في السماء الزرقاء كما لو كانت مطبوعة على الافق. وكانت قطعان الجاموس غاطسة في الماء، لايرى الناظر منها الا رؤسها السود وقد توقفت عن الحركة. ومن بين هذا السكون السائد انبعث من صريفة الحاج ركان همس خفيف. ثم تعالى صوت امرأة تصيح: -فتنة- يا فتنة… احضري من البركاش سلتين من التمن-. وكان أن ردت العروس بحنق- أنا..!؟ ولم أخرج بعد من سبعة أيامي!؟ فقالت العجوز برقة: ما يخالف.. ما يخالف.. سأقوم أنا باحضارهما -.
  وسمع الحاج ركان الحوار فصاح:- ماذا؟.. تمن ايضاً..! كل الذي كان عندك استهلكته في ثلاثة ايام يا امرأة لا تستحي…!؟ في غيابي. تبيحين لنفسك ان تبيعي كل ما أجمعه بتعبي وعرق جبيني. تأكلين وأنت مستريحة، بينما أنا… ثم استدرك ان التمن للضيف سلتان فقط! احضري أربعاً. احضري ثمانيا. بل فرغي البركاش واحضري كل ما هنالك… فردت المرأة، ياكريم… سنحشوا عبيد.. لا تقتصدي في اللوز ولا في البصل… اذهبي يابنتي واجلبي الكشمش من التنكة( ) . وأكثري من القرنفل والفلفل… ولا تنسي الكركم ولا الكرفس.. التنكة فرغت يا بنتي ما يخالف. هكذا اراد الله. الله يقويكم يا بناتي..-.
  وانهمكت النسوة في عملهن. وراح الحاج ركان يجذب الدخان وينفخه من قصبة نرجيلته المصنوعة من الطين. وفي المساء اقبل عدد من رجال القرية لمشاركة الحاجي في وليمته. ألم يذبح حملا؟ حمل، كان يمكن ان يصير في المستقبل خروفاً، ذبح في مناسبة سوف يؤرخ بها في المستقبل على انها اليوم الذي ذبحت فيه ثلاثة خراف على شرف زيارة((الصاحب)). وشمر الحاج ركان عن ساعده وصار يفصل قطع اللحم المشوي وينزع منها احسن ما فيها ويقدمه لي مع حفنة كبيرة من الحشو.
  كان التمن مطبوخاً طبخاً حسناً، ولكن اللوز والكشمش والتوابل وغيرها من المواد التي تتميز بها اطعمة الطبقة الغنية لم يكن لها فيه وجود. ولا يرجع الامر في ذلك الى ان نسوة الحاج ركان لم يأبهن لأوامره، بل لأنه لم يعن- مطلقاً- أن تنفذ أوامره حرفياً. وذلك لأنه يعلم أن هذه الكماليات أبعد من أن تتوفر في بيته.
  العربي في الصحراء يقدم لك احسن ما عنده ونفسه طيبة راضية، ويعتذر لك عن ضآلة(قلة) ضيافته بقوله- اعذرنا.. نحن فقراء..-. أما المعيدي، ساكن الهور، فلا يتورع ان يصيح على خدم لا يملكهم وأن يأمر بطعام لا يملكه أيضاً. وهو مع ذلك، برغم ظروفه القاسية التي تجعل كمال ضيافته مستحيلاً يقدم لك ما عنده بكرم.
  وترك ما تبقى من طعامنا للنساء، لأن العادة عندهم ألا تأكل النساء مع الرجال. ويقول الحاج كان- أن اصغر ساكن في الهور تأبى له نفسه ان يأكل مع زوجته… نحن ننام مع نسائنا على فراش واحد… ولكن أنأكل معهن..!؟ لا… لا… هذا أكبر من أن يحتمل…
images

بين القصب والطيور

 


  وأخذنا في صباح الغد مبكرين برحلة خلال الهور. وكان البردي الذي مررنا به في بدء رحلتنا طرياً غضاً يكسو السطح بخضرة حية زاهية ومع ذلك لم نجد ساكناً هناك. وتساءلت فعلمت ان المعدان يقومون في كل سنة- عند تنقلهم- بحرق القديم من النبات في المكان الذي يغادرونه ليفسحوا المجال لنمو نبات آخر جديد غض. وكثيراً ما يعظم الحريق وتتعالى أعمدة الدخان فيراها المار بعيداً على شاطيء النهر. كان المجرى الذي نسلكه يجري بين حواجز سميكة من القصب، حواجز عالية أخفت عنا اشعة الشمس وحمتنا عصف ريح الجنوب التي بدت شديدة في الصباح.
  وبعد صمت طويل قال الحاج ركان- أتريدني أن أتكلم اذا جاء مجال للكلام؟-. قلت- نعم. فرد- أنعم الله عليك. وهب الحاج ركان ذلاقة في الحديث تواتيه عندما يحب هو نفسه أن يتحدث. ووهب أيضاً ذكاءاً فوق المتوسط يستخدمه في التعرف بالعالم الخارجي وراء الهور. ولديه بالاضافة الى هذا وهذا ثروة من المعارف الأولية كأخبار القبائل وقصصها، ولا أظن ان احداً في الهور يناظره في ذلك. وقد جعله لسانه الطلق وذاكرته القوية، التي تمتاز بها الجماعات التي لا تعرف القراءة والكتابة، الرفيق الذي لا تمل صحبته. ومع ذلك لا يزعجه الصمت وان يظل. وكثيراً ما تمضي ساعات كثيرة ويظل صامتاً حتى اذا حدثت حادثة ولو بسيطة صغيرة او خطرت بذهنه عارضة أخذ يتكلم عنها باسهاب. أما الاسئلة المفاجئة فكثيراً ما تربكه. وأحسن حديثه يكون حيثن يترك لطبيعته.
  مررنا في طريقنا بطائر طويل الساقين فأجفل وراح يطير ضارباً بجناحيه اوراق القصب ويصرخ صراخاً مزعجاً. وأثار هذا الحادث حديث الحاج ركان فقال،- الله اكبر.. الله اكبر.. ليقيم الانسان خيمة لابه له من حبال واوتاد، ولكن خيمة الله قائمة بلا عمد ولا حبال ولا أوتاد. تضيء كل ليلة بينما تحولت قصور الملوك الاقدمين الى تراب.. رب العالمين وخالق كل شيء، وهب الحيوان الغريزة وجعله يدرك كما يدرك الانسان. النملة تخزن للشتاء القادم. والفأر يعرف أن القط عدوه… وهذا الكائر، وكان نوعاً من مالك الحزين، يعرف كيف يحرس نفسه كما لو كان انساناً… تحط اسرابه لتنام وتختار من بينها واحداً ليحرسها. وينام السرب كله ويبقى هو يقظاً، رافعاً راحة أحد قدميه مقابل ركبة رجله الاخرى حتى اذا نام وقع. واذا سها ونام طفر القانص بواحد أو اكثر من افراد السرب انقض عليه الباقون يتابعون نقره حتى يموت-.

 التاجر المتجول

1095054_10151728952359869_511356605_n   وقف((بهلول)) في صدر((البركاش)) منحنياً على مرديّه، وجلس اخوه التوءم((جهلول)) في مؤخرة القارب، يوجهه بضربات ماهرة من مجذافه في مجرى ضيق يتثنى ويتلوى بين جدر كثيفة من القصب-الغاب- الاخر. وكانت الشمس قدر برزت من خدرها وراحت تلقى بأشعتها متلألئة على جسديهما اللذين تعريا الا من ازار خشن من الصوف يلف وسط الجسم فيطوقه.
   وفي بطن القارب جلس البائع المتجول، خالهما العجوز الحاج((ركان)) جلس متربعاً بين مجموعة من العلب المعدنية وصفائح الزيوت والبترول الفارغة التي أحالت مؤثرات الجو لونها الى لون الصدأ. وفي العلب هذه تجارة الحاج وكان من الشاي والقهوة والتوابل والسكر واوراق التبغ وغيرها.
   ورحت من مكاني المواجه له في القارب أراقب منظر الهور الذي لا يتغير. فالماء والقصب والبردي والسكون هي الظاهرات السائدة في كل مكان منه. وقد تهب نسمة باردة فتهتز لها رؤس القصب الشهب ويتنهد لها سطح الماء مضطرباً بين سيقان القصب، ثم لاشيء وراء ذلك الا ما كنا نسمعه من ضربات جهلول بمجذافه على سطح الماء في ذلك اليوم من ايام الربيع الجميلة.
   وكان البركاش منطلقاً وجهلول يغني خلفه. واعترف ان ((داوتي)) كان متجنياً عندما وصف غناء العرب بأنه نهيق مضغوط من الأنف، فان اللحن الحزين الذي يبدأ عالياً ثم يتذبذب بين ارتفاع وانخافاض حتى ينتهي بانتهاء نفس المغني كان في أذني بعيداً عن ذلك الوصف الشنيع الذي وصف به.
   وتطلعت الى الحاج ركان مستفسراً عن ألفاظ لم استطع فهمها فردد ألفاظ الاغنية نفسها ثم قال ضاحكاً: مبالغة-. وكان قوله بنغمة تجمع بين التبرير والتأييد. ولا عجب، فالعرب يولون شعرهم وشعراءهم اهتماماً خاصاً.
   كان جهلول يغني للمرأة التي يحبها. وكانت الاغنية بلهجة الهور، التي وان كانت محتقرة في نظر الخلّص من العرب، تحوي مع ذلك خيالاً رائعاً لا يتناسب وظروف الحياة البدائية التي يحياها السكان هناك.
 – كمن اصيب بطلقة مدفع أنا مصاب
 فأين من خدودك الحلوة نور التفاح وزهر الرمان
 وأرق الخمر الحريرية تخدش اكتافك النحيلة
 وتدمى جلدك يا اجمل من وقعت عليها عيناي
 واستمر جهلول يردد نغمات الغنية حتى صاح الحاج ركان آمراً:
 قف هنا.
   وكان وقتئذ قد خلفنا وراءنا ذلك المجرى الضيق المحاط بأجمة القصب وخرجنا الى سطح ماء مكشوف تعلوه جزيرتان صغيرتان. فوجه جهلول القارب الى اقربهما، على حين ألقى بهلول بالمردي في بطن القارب وراح يسحب رأسه نحو الجزيرة، ثم عاد ليجلس في مؤخرته مع أخيه يتساران كما لو كان النزول الى هذه الجزيرة القاحلة أمراً متكراراً قد اعتاداه.
   نزل الحاج ركان الى الجزيرة رافعاً يديه نحو السماء يقرأ الفاتحة ويدعو الله بدعاء. ثم جلس صامتاً يرسل نظره في هاتين الجزيرتين القاحلتين. ولم يكد يملأ نفسه منهما حتى صاح: يا الله..، مشيراً الى اولاد أخته في أماكنهم من القارب. واندفع القارب ثانية بنا ينساب في الهور، في جدول من تلك الجداول الوعرة بين سيقان القصب المتكاثف.
 وتطلع الحاج ركان إليّ ثم قال- لعلك تتساءل لم قرأت الفاتحة؟ او لعلك تتساءل لماذ اصطحب معي في تجوالي هذا اولاد اختي ولم اصطحب اولادي الكبار؟. بل لعلك لو سألتني اين أولادك الكبار؟ لكانت اجابتي أوفى.. من أجل حب رجل لأمرأة امتلأ بالحزن صدري وبالوحشة والوحدة قلبي وظللت اصحب الأسى منذ أن ثار الشيخ((صيهود)) على الاتراك وهرب الى هور الحويزة باحثاً عن ملجأ له.
Marsh_Arabs_0– كان للشيخ صيهود اتباع كثيرون ومن بينهم((طاهر)). وكان لطاهر هذا ابنة احبها صديقي((عدي بن سعدون)) وفي يوم من الايام جاءني عدي وقال- اريد ان اعبر الهور لزيارة طاهر. اريد ان اعبره تحت تسيارك حتى اجوز((البو غنّام)) لان لهم مع عشيرتي ثارات، واخشى ان لا ألاقيهم، او تعاونني ولك مني ما تريد؟ فأجبته-افعل ذلك بكل سرور. ولا تتحدث عن ثمن، فطالما تمنيت ان اقوم بخدمة لكز
– وانطلقنا معاً في رحلتنا. وفي اليوم التالي ليومنا ذلك مررنا برجلين من البوغنام يصطادان سمكاً بفالتيهما. فصاح احدهما، -أعدي بن سعدون أنت..!؟ فأجاب صاحبي-اي- وكيف ينكر.. فمن العار ان ينكر الشخص اسمه.. !؟ فأجاب عدي- أنا حاضر.. وصاح الآخر- هل نسيت الدم..!؟ وكان رد عدي- أنا حاضر.
– وعندما رأيت الشر ينبعث من عيونهما صحت- انه تحت((تسياري))- فكان الرد- نحن لا نعترف بتسيارك- فاستعد يا عدي.
– ورأيت أحدهما يقترب منا فصحت به مكانك.. قف مكانك ولا تقترب، والا فستطالبكم عشيرتي((بحشم))… والعادة ان تعطى امرأة لنا تعويضاً اذا هدد من يكون تحت تسيارنا. ولكن الرجل مع ذلك تقدم وهو يصيح- أنا لا اهتم.. دمي ما يزال حاراً-. وقذف بفالته الى عدي وانساب مختفياً في القصب. فأطلقت النار عليه ولكنني لم أصبه…
– ووجدت الفالة قد اخترقت جسم صديقي فحاولت اخراجها فلم استطع. وكل ما استطعته أن امسكت بها في يدي لاخفف عنه المه من اهتزازها. وأمرت ابني ان يرسعا بنا ال اقرب قرية، لعلنا نجد احداً يتمكن من فصلها عنه. وعندما وصلنا القرية وجدنا الحداد- ويا للأسف- قد غادر مكانه الى عشيرة اخرى مجاورة. فتبعناه، ولكن عدياً مات في الطريق! مات وهو يردد اسم حبيبته((خديجة)).
– ورجعنا مسرعين الى عشيرتنا واخبرت الشيوخ بما حدث. وعُرف الهور واضح في هذه المسألة. وذلك بأن نقاتل مدة يوم واحد للأخذ بثأر الرحل الذي يقتل وهو تحت تسيارنا. بلى.. لابد لنا من قتال البو غنّام يوماً كاملاً. واذا امتنعوا، وجب عليهم ان يدفعوا لنا اربعين امرأة، وان يتركوا جزرهم لنا ثلاثة ايام ننصب فيها مواقد القهوة حتى يعرف الناس اننا ضربناهم وهزمناهم. ونحن، وان كنا سكان اهوار، لنا كرامة وكبرياء. وليس بيننا عشيرة واحدة تقبل لنفسها مثل هذه الاهانة.
 – ونصب شيوخنا رايات الحرب وأسرلوا الرسل وراء رجال العشيرة.
 – وكان الغد والتقينا مع((البو غنام)) في معركة حامية على الجزيرتين اللتين وقفنا عندهما الآن.
 – كان البو غنام قد أخذوا اهبتهم وكانوا اكثر منا عدة وعدداً، وحجميت المعركة، وصمد لهم رجالنا، وأبلوا البلاء الحسن في القتال، ثم م لبثوا ام فروا من المعركة تاركين وراءهم الكثير من القتلى ومن الجرحى.
 – وفي المساء رجعت مع افراد من قبيلتنا الى ميدان المعركة، رجعنا في حماية((سيد)) وكان السيد يصيح: هدنة..! هدنة..! أنا السيد((صادق))
 – وبين الجثث المطروحة وجدت((مطاغر)) اصغر ابنائي مثخناً بجراحه. وعندما انحنيت اليه لارفعه سمعته يهمس- احضر لي اخوتي.. انني اموت… ورحت ابحث فوجدت ابني((محمد)) جثة هامدة.. وبقيت ابحث عن((خلف)) وأناديه بأسمه حتى رأيت بعض رجالنا يسحبونه جثة من الماء فصحت، من؟ .. فاجاب احدهم- لا ندري- فأخذت قبساً من القصب اشعلته ونظرت فاذا بي ارى وجه ابني الثالث((خلف)). يابويا..! يابويا..! اولادي الثلاثة كلهم ماتوا.. ومن تلك اللحظة اصبحت كما تراني الان.. عجوزاً قد ابيضت لحيته.. أمن أجل ان يحب عدي خديجة.. افقد انا اولادي الثلاثة..!؟ ولكن لم اقول هذا؟.. وكل ما يحدث مقدر من الازل. وساد الصمت بعد ان تم الحاج ركان قصته. وأخذ القارب ينساب خفيفاً فوق سطح الماء، وكان الماء هادئاً. وعلى سطحه المصقول كالمرآة انعكست خضرة القصب، وطفت على بعض نواحيه اعشاب مائية مزهرة. كانت ازهارها البيض او الحمر تتأرجه حين يمر القارب بجوارها. ومع ضلك، برغم هذا الهدوء والابتسام الذي يجعل الهور يبدو وكأنه مرفأ للهدوء والسلام.. مع هذا، ففي ثناياه الكثير من آلام البشر واحزانهم التي اخفتها آجام القصب عن العالم الخارجي. وامتدت رحلتنا طوال اليوم بغير ان نرى وجوهاً أخرى سوى وجوهنا، حتى بدت أمامنا آثار للحياة. هنا ساحات من القصب قد تغيرت اوضاعها وحدثت بينها فجوات أمالت بعص القصب على بعض. وهناك قطيع من الجاموس يكاد يغطس في الماء وقد أخذ بعضه يقضم الغض من سيقان القصب والبردي. ثم اخذنا نسمع اصواتاً. وعندما خلفنا القصب المتكاثف خرجنا الى سطح ماء مكشوف وواجهنا عدداً من ((الايشانات)) مبعثرة هنا وهناك، ولا ترتفع الا قليلاً فوق سطح الماء. وعلى هذه الكوم، التي تمثل آثار مدن ومراكز عمران قديمة مندرسة، والتي ربما أقيمت في قصورها المآدب والحفلات في ظل راية بابل العظيمة، أو عرض التجار العرب شوارعها واسواقها تجارتهم الرابحة ايام عظمة الامبراطورية العباسية، اقام عرب الاهوار صرائفهم من القصب المجدول.
 264878_530330003690841_638781637_nوالصرائف متماثلة في النوع، مختلفة بعض الاختلاف في الحجم، انها تبنى بحزم من القصب قد ثبتت قوائهما في الارض وثنيت اطرافهما العليا فمال بعضها على بعض والتقت مكونة السقف. وتمتد في شبه نفق مكسو بالحصير او القصب المجدول، وفي احدة نهايتيها فتحة ضيقة تقوم بوظائف الباب والشباك والمدخنة. وعلى ارضها الرطبة المفروشة بالبردي ينام افراد العائلة متلاصقين وجاموسهم، التماساً للدفء في فصل الشتاء.
    ومع ان القذارة تمهد طريق الانتصار للمرض او الموت، مع هذا لا تزال الحياة هي المنتصرة هناك. ففي صباح يومنا المشرق كانت هذه الاكواخ المزدحمة تبدو رائعة حتى انها لتلهي الناظر اليها عن الاحوال التعسة التي يعيش فيها اهلها. ففي هذا المستنقع الموبوء بالملاريا، المائج بأفواج الذباب وبما لا حصر له من الكائنات التي تعيش على الطين والوحل، وحيث اراضي اكواخه تنز رطوبة ، وقد أهملت فيها الاحتياطات الصحية جملة، يبدو السكان متمتعين بمستوى جسماني رائع، ولاشك انه في مثل هذه الظروف تتمثل نظرية البقاء للأصلح. فوفيات الاطفال هناك كثيرة، تزيد عن معدلها في الاماكن الاخرى. ومع ذلك اذا نجا الطف نما وازداد مع الزمن قوة وصلابة. فترى الرجال، في قسوة رياح الشتاء البارد، وكأنهم في اشعة شمس الصيف المحرقة، يقنعون برداء واحد، بل يرى بعضهم بلا رداء، وهم يبدون مع ذلك مكتنزي العضلات، وقادرين على مكابدة شتى المتاعب، برغم ما يلاحظ عليهم من كسل كبير حيث لا يكون العمل المطلوب على جانب كبير من الضرورة. وهم بأجسامهم التي اكسبتها السباحة مرونة وقوة وبأسنانهم البيض اللامعة وبشعورهم المجدولة في ضفيرتين لا يخشون المقارنة بعرب البوادي.
    وتبدو القرية مبهجة بتعدد الوانها. فالقصب الاصفر الذي قامت منه الاكواخ يلمع في ضوء الشمس ويلقى بشعاعه نحو السماء. والنساء بملابسهن الفضفاضة ذات الالوان المختلفة الزاهية يتحركن امام الاعين بلألأة وبريق. والمرأة الشابة هنا تتمتع ببنية قوية. ولها عينان سوداوان وبشرة سمراء دافئة، وفيها ملاحة وجمال. ولكنها مع ذلك تشيخ بسرعة. وتلبس، على العكس من الرجل، ملابس طويلة فضاضة تغطي بها جسمها من الرقبة وتتهدل حتى تجرجر ذيولها على الارض. أما العجائز اللواتي يكثرن الجلوس القرفصاء امام ابواب اكواخهن، فيلبسن ملابس سوداً قاتمة ويعصبن رؤسهن بعصابة كبيرة من قماش أسود أيضاً. واما الاطفال فيرون عراة في الغالب، يلعبون في الماء بجوار المشاحيف.
المصدر:العالم 

      4shared


↩     4shared

↩      linkbox

↩  mediafire

↩   mediafire





كوكب الجغرافيا 
نافذة المعارف

الاسمبريد إلكترونيرسالة