U3F1ZWV6ZTIxMzgzNDc4MzQ4X0FjdGl2YXRpb24yNDIyNDUzMDg1MTg=

أشهر الأوبئة التي هددت البشرية عبر التاريخ وكيف انتهت !!

أشهر الأوبئة التي هددت البشرية عبر التاريخ وكيف انتهت !!

أشهر الأوبئة التي هددت البشرية عبر التاريخ وكيف انتهت !!

صحيحٌ أن الكثير من الأوبئة التي عرفها التاريخ لم تنتهِ إلّا بعد القضاء على أعدادٍ هائلة من البشر، إلّا أن بعضها الآخر كان للجهود البشرية الدور الأكبر في القضاء عليها والحد من انتشارها، ويمكن تلخيص هذه الجهود في المبادرات الصحيّة والجهود الطبيّة.
في الوقت الذي كانت فيه الحضارة البشرية تزدهر كانت الأوبئة والأمراض تزدهر بدورها، فالتجمّعات السكانية الكبيرة التي يعيش فيها السكان بالقرب من بعضهم وبالقرب من الحيوانات، بالإضافة إلى سوء التغذية وتردّي المرافق الصحية، كل هذه العوامل وفّرت بيئة خصبة لانتشار الأوبئة محلياً، إلى أن بدأت التجارة البحرية بالازدهار وتم اكتشاف الطرق التجارية الرئيسية فأصبح لدينا ما يعرف بالجائحة العالمية. وإليكم كيف انتهت خمسٌ من أكبر الأوبئة التي عرفها التاريخ.

طاعون جستنيان: حين لم يبقَ أحد ليموت

الأوبئة
طاعون جستنيان
يتّفق المؤرخون على أن ثلاثًا من الأوبئة الأكثر فتكاً التي عرفتها البشرية سببها جرثومة واحدة، اليرسينيا الطاعونية، وهي تسبب مرضاً خطيراً يُعرف بالطاعون. أول أوبئة الطاعون الكبرى الثلاث هو طاعون جستنيان الذي ظهر في القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية الشرقية عام 541 ميلادي. وقد وصل هذا الوباء إلى مدينة القسطنطينية عبر البحر الأبيض المتوسط من مصر، التي انضمت مؤخراً إلى عهدة الإمبراطور جستنيان وأصبحت مصدراً جيداً لجلب الحبوب إلى العاصمة.
ولقد كانت هذه الحبوب المُستوردة من مصر مصدراً غذائياً جيداً بالنسبة للفئران، ومع الفئران تأتي البراغيث، وإن كانت البراغيث مُصابة بالطاعون فهنا تكمن المشكلة وهذا ما حدث. انتشر هذا الوباء كالنار في الهشيم في القسطنطينية وانتقل بعد ذلك إلى أوروبا وآسيا وشمال أفريقيا حاصداً أرواح ما يُقارب 30 إلى 50 مليون شخص، أي ما يُقارب نصف تعداد سكان الأرض، ليُصبح أحد أكثر الأوبئة فتكاً بتاريخ البشرية.
لم يكن لدى الناس أدنى فكرة عن كيفية مواجهة هذا الوباء سوى غريزة الابتعاد عن المصابين بهِ، أمّا بالنسبة لكيفية انتهاء هذا الوباء فإننا لا نعرف ذلك بشكلٍ قاطع، لكن الفرضية الأقوى التي يطرحها العلماء أن من بقيَ على قيد الحياة شكّل مناعة ضد المرض، حتى أن الامبراطور جستنيان نفسه أصيب به لكنهُ شُفيَ منه. وقد استمر هذا الوباء بالظهور كل عدّة سنوات وكان طاعون عمواس الذي أصاب بلاد الشام عام 640 أحد الأوبئة التي نتجت عنهُ وأودى بحياة الكثير من المسلمين والصحابة.

الموت الأسود: اختراع مفهوم الحجر الصحي

الأوبئة
الموت الأسود
لم يختفِ الطاعون بشكل نهائي مطلقاً، لكنهُ عندما عاد بعد 800 سنة في أوروبا أخذ يقتل بلا هوادة، ففي عام 1347 يُعتقد أن وباء الطاعون الذي عُرف بالموت الأسود حصد ما يُقارب 60% من القارة الأوروبية أي ما يُعادل 50 مليون شخص وذلك خلال أربعة سنوات فقط، ليصبح أحد أكثر الأوبئة التي ستنطبع في أذهان البشر حتى اليوم.
كما هو الحال بالنسبة لطاعون جستنيان لم يكن الناس يدركون كيف يُمكن إيقاف تقدّم شبح الموت هذا، لكنهم أدركوا أن للأمر علاقة ما بالمسافة. لهذا السبب، قرر مسؤولو حكومة البندقية المُبدعين احتجاز السفن القادمة من مدن ينتشر بها الأوبئة إلى ميناء مدينة راغوزا الخاضع لسيطرة البندقية، وعزل البحارة إلى أن يتم التحقق من أنهم ليسوا مرضى.
في البداية، كان يتم احتجاز البحّارة على سفنهم لمدة 30 يومًا والذي أصبح معروفاً في قانون البندقية بالكلمة الإيطالية trentino، ومع مرور الوقت تمت زيادة هذه المدة فأصبحت أربعين يومًا لتصبح الكلمة الجديدة quarantino، والتي ستمُهّد إلى ظهور كلمة الحجر الصحي التي نعرفها اليوم quarantine وبداية ممارسة هذا الإجراء على نطاق واسع في العالم الغربي، وهذا كان لهُ أثرٌ عظيم في الحد من انتشار أخطر الأوبئة وفقاً للباحثين.

طاعون لندن العظيم: تشميع المنازل

الأوبئة
طاعون لندن العظيم
لم تسترح لندن فعلياً منذُ قدوم الموت الأسود، فقد استمرت الأوبئة بالظهور فيها بقوّة بين الفترة والأخرى منذُ قدومه إليها عام 1348 وحتى عام 1665، ومع كل وباء طاعون جديد، ينخفض تعداد سكان العاصمة الإنكليزية بمقدار 20% دون تمييز بين رجال ونساء وأطفال. وفي مطلع القرن السادس عشر، فرضت الحكومة ولأوّل مرّة قوانين تشرّع عزل المرضى.
كانت المنازل التي أُصيب أحد أفرادها بالطاعون تُشمّع بحزمة من القش مع عصا، فعندما يضطر أحد أفراد المنزل للخروج يجب أن يحمل معهُ هذه العصا البيضاء حتى يُميّز الجميع أنهُ مُصاب. كما كانوا يعتقدون أن الكلاب والقطط تنقل الأوبئة فتم ذبح مئات الألوف من الحيوانات.
كان طاعون لندن العظيم عام 1665 آخر أوبئة الطاعون التي ضربت العاصمة وأحد أسوأ الأوبئة في ذاك القرن، حيث يُعتقد أنهُ قتل أكثر من 100 ألف من سكان العاصمة خلال 7 أشهر. تم إلغاء كافة الأنشطة العامة وتم إجبار ضحايا المرض على البقاء في منازلهم لمنع انتشار الوباء، وكان يتم رسم صليب أحمر على أبوب منازلهم مع عبارة تلتمس المغفرة “الله يرحمُنا”.
ورغم قساوة حبس المرضى في منازلهم ودفن الموتى في مقابر جماعية، إلّا أنّهُ لربّما كان الحل الوحيد لإنهاء ثالث أوبئة الطاعون الكبرى الثلاث التي عرفها البشر.

الجدري: دقة ملاحظة تنقذ البشرية

الأوبئة
الطبيب جينر يقوم بتجربة اللقاح لأوّل مرّة
بقيَ الجدري أحد الأوبئة التي تُشكل تهديداً مستمراً لأوروبا وآسيا والجزيرة العربية لعدّة قرون، حيثُ كان يقتل ثلاثة من كل عشر أشخاص يُصيبهم ويترك الناجين منهُ بندب دائمة لا تزول. إلّا أن نسبة الوفيات في العالم القديم كانت مُنخفضة مقارنةً مع العالم الجديد، حيثُ أن هذا الوباء أنزل الكوارث على السكان المحليين في العالم الجديد عندما وصل لأوّل مرّة مع المُستكشفين الأوروبيين في القرن الخامس عشر.
لم يكن لدى السكان المحليين فيما يُعرف اليوم بالمكسيك والولايات المُتّحدة أيّة مناعة طبيعية ضد هذا الفيروس، وبالتالي بدأ الفيروس كغيره من الأوبئة عملهُ منزلاً الهلاك بملايين الأرواح. حيثُ يُقدّر أن 90 إلى 95% من السكان المحليين ماتوا بسبب الجدري خلال قرن واحد، فانخفض تعداد سكان المكسيك من 11 مليون قبل الاحتلال الأوروبي إلى مليون ما بعد الاحتلال.
على الرغم من المآسي الكبيرة التي جلبها هذا الفيروس للعالم، أصبح أول الأوبئة التي تُستأصل تماماً بعد عدّة قرون، حيثُ أدت الجهود العلمية إلى اكتشاف لقاح لهذا الفيروس وتم القضاء عليه كلياً. يرجع الفضل في اكتشاف اللقاح إلى دقة ملاحظة طبيب بريطاني يدعى إدوارد جينر، حيثُ لاحظ هذا الطبيب أن الفتيات اللواتي يحلبن الأبقار يُصبن بفيروس ذو أعراض أخف يُدعى جدري البقر فيُشكلن مناعة ضد الفيروس الذي يُصيب البشر.
قام إدوارد في حادثة سيُسجّلها التاريخ بتلقيح ابن البستاني الذي كان يعمل لديه والبالغ تسع سنوات من العمر بجدري البقر، ومن ثم قام بتعريضه للجدري فلم تظهر عليه أيّة أعراض. يكتب جينر عام 1801 ويقول أن إبادة الجدري الذي لطالما عانت منهُ البشرية يجب أن تكون النتيجة النهائية لهذه الحادثة، وقد كان مُحقّاً في ذلك. وقد تطلب الأمر قرنين من الزمن حتى أعلنت منظمة الصحة العالمية عام 1980 أن الجدري تم استئصاله تماماً من على وجه الأرض، وكانت نهاية أحد أخطر الأوبئة.

الكوليرا: فكرة تنهي كارثة

الأوبئة
وباء الكوليرا
في مطلع القرن التاسع عشر، ظهر وباء الكوليرا ومزّق أرجاء المملكة البريطانية قاتلاً عشرات الآلاف من السكّان. وتقول النظرية السائدة يومها أن الوباء مثل غيرهُ من الأوبئة كان ينتشر بالهواء الفاسد، وتعرف هذه النظرية باسم نظرية ميازما وهي نظرية تم رفضها لاحقاً بعدما تم اكتشاف دور الجراثيم. بكل الأحوال كان هناك طبيب إنكليزي يُدعى جون سنو شكّ أن هذا المرض الغريب لهُ علاقة بطريقةٍ ما بمياه الشرب في مدينة لندن.
ويُمكن القول إن سنو هو شارلوك هولمز الحقل الطبي، فتصرّف على الفور مثل علماء الأوبئة اليوم وذهب إلى المشافي وطلب السجلات الطبية للمرضى وتقارير الوفيات كي يتمكن من تعقّب مصدر العدوى. فقام سنو بإنشاء مُخطط جغرافي لوفيات الكوليرا خلال 10 أيام، فوجد أن 500 حالة أتت من شارع رئيسي في لندن يحوي بئراً كبيراً يشرب منهُ سكان العاصمة.
عزم هذا الطبيب على إثبات فرضيته، فأقنع المسؤولين المحليين بإزالة مقبض هذا البئر لجعله غير صالحاً للاستخدام، وكان لذلك مفعول السحر حيثُ أخذت الوفيات تنخفض بشكل كبير. وصحيح أن جهود سنو لم تؤدِّ إلى استئصال الكوليرا على الفور، لكنها قادت إلى جهود عالمية لتحسين شروط الصرف الصحي وحماية مياه الشرب من التلوث. واليوم تم استئصال هذا المرض بشكلٍ كبير من الدول المتطورة، إلّا أنه ما زال أحد الأوبئة التي تحصد الأرواح في بعض دول العالم الثالث.
يتّضح مما سبق أن البشرية لم تعرف أبداً فترة راحة مستمرة من الأوبئة، وأن الجهود الطبية العملاقة هي التي جعلتنا نتخلص من أوبئة أرهبت البشرية لقرون حتى بات الطاعون لا يُشكّل خطورة على أحد، والجدري منسي كلياً، وهي التي تجعلنا قادرين اليوم على تحدّي الأوبئة التي تظهر بين الفينة والأخرى، ولربما هذا يبعث فينا الأمل بقدرة البشرية على تجاوز العقبات ويدعونا إلى دعم الجهود العلمية.
الاسمبريد إلكترونيرسالة