U3F1ZWV6ZTIxMzgzNDc4MzQ4X0FjdGl2YXRpb24yNDIyNDUzMDg1MTg=
recent
حصريات

مفهوم المناطق المتدهورة والعشوائيات


مفهوم المناطق المتدهورة والعشوائية
أ.د. أشرف علي عبده










        إن تحديد مفهوم المناطق المتدهورة ربما يكون من اكثر الموضوعات الجغرافية صعوبة ومثاراً للجدل، وهو الأمر الذي قد لا نجده في أي مجال آخر من الدراسات الجغرافية، وعلى الرغم من أن هذه الدراسات في معظمها تعاني هي الأخرى من الاختلافات في بعض المصطلحات لكنها غالباً ما تحظى باتفاق المتخصصين في كل منها، أما تعريف مصطلح المناطق المتدهورة فلا يحظى بمثل هذا الاتفاق، وذلك يرجع إلى تعدد الحقول والمجالات العلمية التي تهتم بهذه المناطق مثل علم الجغرافيا والاقتصاد والاجتماع والهندسة وغيرهم.


     ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى طبيعة المناطق المتدهورة من زاويتين متكلملتين، زاوية واقعية ترصد المصطلحات والمسميات الشائعة للمناطق المتدهورة، وزاوية تحليلية تركز على تفسير مفهوم ظاهرة المناطق المتدهورة من واقع المداخل والزوايا العلمية المتعددة.


      أما من ناحية المصطلح فإن مفهوم المناطق المتدهورة يطرح عدداً من المشكلات الاصطلاحية، حيث أدى تزايد ظاهرة المناطق المتدهورة من ناحية ورواج الحديث عنها من ناحية أخرى إلى نوع من التداخل في التعبيرات والاستخدامات وأحياناً ضبابية المصطلح، وحتى لا تتداخل وتختلط المفاهيم وتصويباً للخطأ الشائع بين غالبية المشتغلين في الحقل الجغرافي وكذلك المهتمين بعلم الاجتماع الحضري والهندسة وغير ذلك ممن يستخدمون العديد من المصطلحات كمرادفات يغني أحدهما عن الآخر، يتعين أولاً تحديد معاني المصطلحات، وما يتفرع منها، وما يندرج تحتها، ولتوضيح ذلك يمكننا أن نشير إلى كوكبة من المصطلحات المستخدمة في هذا المجال.


      ترد المناطق المتدهورة Deteriorated  خطأ على ألسنة العامة والخاصة تحت مسمى المناطق العشوائية أي التي ليس لها نسق منتظم وتنشأ بلا هدف دون وجود قواعد وتنظيمات تحكم هذه النشأة ولكن تبنى وتتوسع حسب الظروف، والذي لا يجعلنا نسلم بهذا المصطلح أن كلمة عشوائية مستمدة إلى حد بعيد من علم الإحصاء حيث يستخدم هذا المصطلح داخل أنواع العينات الميدانية، وان استخدام العينات العشوائية احصائياً يخضع لكثير من القواعد والترتيبات والتنظيمات حتى يتم اختيار العينة العشوائية، كما أن البحث في أدبيات اللغة عن مصطلح العشوائية يشير إلى السير على غير هدى وبصيرة وهو ما لا يتفق مع بعض أنماط السكن المتدهور.



     
ومن ناحية اخرى فإن أحياناً يطلق البعض على المناطق المتدهورة مسمى الإسكان غير الرسمي أو غير الحكومي  Informal Housing  على الرغم من أن الاسكان الحكومي ( بلوكات المساكن الشعبية الحكومية) ومساكن الإيواء إسكاناً رسمياً قام بتشييدها القطاع الحكومي إلا انها غير مطابقة للمواصفات الفنية والشروط الصحية ولا تحقق المتطلبات الأساسية للسكان من حيث المرافق والخدمات والمساحة ويندرجان تحت أنماط السكن المتدهور بالمدن، أما إذا كان تعبير غير رسمي مقصود به بدون ترخيص فهو كوصف مولود أهمل والده استخراج شهادة ميلاد له، فيمكن القول بأنه يوجد الكثير من المناطق المتدهورة المرخصة، وتقف مناطق النواة القديمة للمدن، والجيوب الريفية وسط التجمعات الحضرية المخططة، ومناطق الزحف العمراني على الأراضي الزراعية، والتي يشيدها الأفراد بعد حصولهم على التراخيص اللازمة للبناء وفق شرعية الارض وملكيتها خير دليل على ذلك.


      ومن ناحية أخرى فإنه أحياناً يحلو للبعض أن يطلق على المناطق المتدهورة مسمى الإسكان الشعبي على أساس أنه يسكن هذه المناطق القطاع الأكبر من الشعب ونتجت عن نشاط شعبي خالص بدون تدخل من أجهزة ومؤسسات الدولة، يرون ان إطلاق مسمى آخر غير ذلك يوجه الفكر مباشرة نحو السلبيات وأساليب العلاج، ويقتل من البداية النظرة الايجابية والامكانيات داخل تلك المناطق، لذلك يعتبرون مسمى الاسكان الشعبي وصف محايد يفتح المجال لمناقشتها بأسلوب علمي بدون أحكام مسبقة، ويبدو أن الداعيين إلى هذا المصطلح ينظرون إلى مصطلح المناطق المتدهورة بزاوية الدعاية في إطار فلسفس أكثر منه علمي وذلك لانه لا يوجد إسكان للشعب وإسكان لغير الشعب، كما أن المناطق المتدهورة لا تقتصر فقط على المباني التي يقيمها أفراد الشعب بل أن مؤسسات وأجهزة الدولة قد ساهمت في إنشاء مناطق متدهورة عمرانياً مثل إسكان الإيواء والمساكن الحكومية المتدهورة لمحدودي الدخل.

      كما ان البعض يطلق أحياناً على المناطق المتدهورة مسمى المناطق المتخلفة  Slum  ويحاول البعض أن يخلط بين المفهوم اللفظي والمفهوم الإيحائي بأن يطلق هذا المصطلح على ما يسمى بالمناطق العشوائية على الرغم من الخطأ الواضح في المرادف باللغة الإنجليزية، يوضعون انها مناطق تمثل انتهاكاً لقوانين التخطيط العمراني والمباني، على الرغم من شرعيتها، وإنها اقدم المناطق المبنية وأكثرها فقراً وازدحاما داخل المدينة، وإنها تنشأ نتيجة لعدم العناية بها ولغياب أعمال الصيانة والترميم بها، ويبدو ان الداعين إلى هذا المصطلح على الرغم من الخلط بين مسمى المناطق المتخلفة والمناطق العشوائية، لا يضعون في الاعتبار أن المناطق المتدهورة داخل المدينة ليست هي فقط المناطق المتخلفة بل انها أحد أنماطها وليست مرادفا لها، وأن المناطق المتدهورة تضم أنماط حديثة في البناء مثل مناطق الزحف العمراني على الاراضي الزراعية بأطراف المدن، ومناطق وضع اليد والاستيطان غير القانوني على أملاك الدولة وفي الأراضي الفضاء، وهي مناطق احدث في النشأة من مسمى المناطق المتخلفة، وعلى ذلك يكون هذا المسمى جامع وليس مانع، جامع لأحد أنماط المناطق المتدهورة داخل المدن ولكنه مانع لدخول أنماط أخرى.


      وحيث أن اللغة العربية لغة فضفاضة تستطيع أن تحمل بين طياتها العديد من المرادفات اللغوية للمصطلح الواحد، ومن زاوية تعدد الاتجاهات الفلسفية للمفاهيم والمداخل والمناطق المتدهورة، وتعدد الحقول الاكاديمية التي تتناول الظاهرة، ظهرت العديد من المسميات الأخرى مرادفة للمناطق المتدهورة مثل مناطق النمو غير المخطط  Unplanned Growth  أو النمو المشتت في كافة الاتجاهات، والبعض يطلق عليها أحياناً مسمى المناطق التلقائية التي يتم بنائها بدون تخطيط مسبق ولكن يمكن التنبؤ بها وظهورها أمر طبيعي، وأحياناً أخرى يطلق عليها الإسكان الزاحف، وأيضاً إسكان وضع اليد أو المناطق غير الشرعية، وأحياناً يطلق عليها المناطق غير المنظمة أو التي ليست تخت سيطرة الإدارات التخطيطية والتنفيذية والتشريعية والمترتبة على الهجرة من الريف للحضر، وأحياناً اخرى يطلق عليها اصطلاح العفوية، الصادرة عن قوة داخلية تتمثل في إتخاذ الفرد قراره بنفسه وليست مملاه عليه من الخارج.

      والواقع ان النظر إلى المصطلحات السابقة الذكر نجدها جميعا تقدم مسميات جامعة وليست مانعة، وان البعض يطلق مسميات عامة على أنماط مختلفة لها مسميات أخرى تندرج تحت ما يسمى بالمناطق المتدهورة ، فمصطلح  Slum  يطلق على نمط المناطق القديمة داخل المدن فقط، ومصطلح  Informal وكذلك  Squatter  يطلق على مناطق وضع اليد، بينما مصطلح  Invasion  وكذلك Sporadical  يمكن أن تطلق كمسميات على نمط الزحف العمراني على الأراضي الزراعية على أطراف المدن، وعلى هذا فإن هناك فارق بين مصطلح عام يدل على طبيعة هذه الظاهرة ويشمل تحت طياته جميع انماط السكن المتدهور في المدن، وبين مصطلح خاص يطلق على أحد أنماط هذا المصطلح العام، لذلك ينبغي الحذر عند إطلاق مسمى يدخل في إطاره كل أنماط السكن المتدهور، والحذر في استخدام وترجمة أي مصطلح يقصد به أحد أنماط السكن المتدهور بالمدن.
      اما فيما يختص بتعريف المناطق المتدهورة فيمكن القول بأنه ليس من اليسير تقديم تعريف واضح ومقنع وجامع وليس مانع للمناطق المتدهورة، وذلك بسبب تعقد ظاهرة المناطق المتدهورة ذاتها وتعدد أنماطها واختلاف اشكالها ومواقعها ونشأتها ونسيجها العمراني وتركيبها وخصائص قاطنيها، إلا ان هناك عدة مداخل أو زوايا تنظر ألى المناطق المتدهورة كظاهرة مجتمعية متنوعة الأبعاد، فالبعض يعرف المناطق المتدهورة من زاوية الشرعية القانونية على انها المناطق التي تنشأ نتيجة لاغتصاب الأراضي العامة غير المستغلة عن طريق وضع اليد وإقامة المباني السكنية عليها بدون حق قانوني وشرعي وبدون موافقة السلطات الرسمية، ويتسع مفهوم المناطق المتدهورة من الناحية القانونية ليطلق على جميع المناطق التي يقام فيها أي مبنى بدون ترخيص أو يكون مخالفاً لقوانين الإسكان سواء كانت على أراضي ذات ملكية قانونية كأراضي التقسيمات الزراعية التي قام أصحابها ببيعها للوافدين من الريف، أو على أراضي ذات ملكية غير قانونية ، أو على مناطق لم يتم تخطيطها.

      وثم محاولة أخرى تحاول تعريف المناطق المتدهورة في إطار الجهود الذاتية ، حيث تعرف المناطق المتدهورة بأنها التي أقيمت مبانيها عن طريق الأفراد وبالجهود الذاتية وبدون تخطيط سابق دون وجود تراخيص لها، هذا بالإضافة إلى كونها مخالفة لقوانين تقسيم الأراضي حيث يقوم الأفراد بهذه المهمة وفقاً لاحتياجاتهم دون الرجوع للجهات المسؤلة، وكذلك لقوانين البناء، وأيضاً تعرف المناطق المتدهورة في هذا الإطار على انها احد الجهود الذاتية التي يلجأ إليها الأفراد لمواجهة احتياجاتهم من توفير المسكن الذي يناسب إمكانياتهم المحدودة خاصة مع تزايد حدة أزمة الإسكان وقلة عدد الوحدات السكنية المعروضة، الأمر الذي جعلهم يلجأون إلى البناء في أي مكان وبأي شكل دون توجيه أو إشراف.
      وثمة تعريف أخر يقترب في مفهومه من مدخل تعريف المناطق المتدهورة في إطار الجهود الذاتية ، وهو التعريف الذي يقوم على أساس ملكية الأرض حيث عرف المناطق المتدهورة بأنها تلك المناطق التي يقوم بتشييدها القطاع الخاص سواء على أرضه أو على الاراضي المغتصبة من الدولة، والتي غالباً ما تقام خارج كردون المدينة دون تخطيط أو ترخيص وذات مستوى منخفض فنياً واجتماعياً واقتصادياً.

      ويحاول البعض تعريف المناطق المتدهورة من زاوية المدخل الاجتماعي / الاقتصادي، حيث تعرف المناطق المتدهورة على أنها المناطق التي تضم ذوي أدنى مستويات الدخول، وذات المستوى المنخفض فنيا بل واجتماعيا واقتصاديا ايضاً، وينطبق ذلك على البيئة المحيطة بها، وأيضاً تعريف المناطق المتدهورة في هذا الإطار على انها مرادف لجيوب الفقر من ناحية ونتيجة للسيولة في اتجاهات الحراك الاجتماعي/ الاقتصادي من ناحية اخرى.

      ويحاول البعض تعريف المناطق المتدهورة في إطار المدخل الهندسي / التخطيط العمراني حيث يعرف المناطق المتدهورة على انها تلك المناطق التي تمتد خارج المدن دون أي توجيه أو تخطيط عمراني، حيث يقوم الأهالي ببناء مساكن غير مستوفاة للشروط الصحية ولا تطابق قوانين المباني والتقسيم، وغير ملتزمة بقواعد بنائية وتخطيط مثل أبعاد القطع وعرض الشوارع والمسافات المتروكة من الجوانب بدون بروزات، وقاصرة على تحقيق الحد الأدنى من متطلبات الإسكان الصحي المناسب لحياة الإنسان، ودون مراعاة للحد الادنى من الإنارة والتهوية الطبيعية والخصوصية، كما تكون غير متصلة بالمرافق العامة والخدمات الصحية والتعليمية والأمني وغيرها .

      وعلى الرغم من ذلك فإن التعريفات والمفاهيم السابقة للمناطق المتدهورة تكشف عن تنوع واسع في المداخل الخاصة بتحديد مفهوم المناطق المتدهورة حتى يمكن القول بأنه لا يوجد تعريف جامع مانع في ادبيات التنمية والتخطيط العمراني أو التحليل الاجتماعي أو السلوكي أو الاقتصادي من شانه المساعدة على التعريف الدقيق والواضح لمفهوم المناطق المتدهورة، كما أن هذه التعريفات تعكس اتجاهات فلسفسة مختلفة نحو هذا النمط من السكن، وبالتالي فإن التعميمات المتعجلة في هذا المجال لا تخلو من مخاطر وتميل إلى اختزال الخصوصيات المحلية القومية، كما أن هذه التعريفات ليست ضيقة تماما وليست بالغة الاتساع، وأنها كشفت عن تنوع هائل يمكن ان يعكس بعض الخصائص المميزة لهذا النمط من أنماط الإقامة الحضرية، كما أن هذا التعدد في المداخل والاتجاهات نحو تعريف المناطق المتدهورة يسجل اهتمام الجغرافيين وغيرهم بالمناطق المتدهورة وتنامي هذا الإهمال من أجل ملاحقة إضطراد تأثير تلك المناطق، كما يسجل في ذاته بروز المناطق المتدهورة وقدرتها على إفراز أشكال وانماط متدهورة متعددة.

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة