واحة سيوة- الباب انشال ! ا.د. عاطف معتمد

واحة سيوة-  الباب انشال ! ا.د. عاطف معتمد



سيوة واحة استراتيجية على حدود مصر مع ليبيا، لا تزيد مساحتها عن 80 كم مربع، تبدأ حدود الواحة من الغرب عند بلدة "المراقي" وتمتد شرقا إلى بلدة "الزيتون". وفيما بين المراقي غربا والزيتون شرقا، تقع بلدة سيوة التاريخية في منتصف المسافة. 


سيوة التي نعرفها اليوم هي الحفيد الصغير لبلدة قديمة ازدهرت منذ أيام الإسكندر الأكبر وكانت تسمى "أجورمي" والتي ما تزال أطلالها باقية في معبد الوحي.


ظل سكان سيوة يعيشون في الموقع التاريخي في "أجورمي" حتى العصور الوسطى حين تعرضوا لهجمات البربر والأعراب. وتصدى للدفاع عن البلدة عائلات سيوة العريقة والتي يمكن حصرها في سبع عائلات كبرى.


خرج أربعون رجلا من هذه العائلات السبعة وقرروا تأسيس مركز استقرار جديد، فشيدوا بلدة جديدة محصنة فوق أحد التلال طلبا لمزيد من الأمن. 


قبل 800 سنة أطلق هؤلاء الرجال على المحلة العمرانية اسم "شالي".


تعني "شالي" في لغة أهل سيوة "البلدة"، وتأسست في عام 600 هجرية (1203 ميلادية). 


40 رجلا من سبع عائلات أسسوا مساكنهم داخل جدار محصن له باب واحد فقط لضمان الأمن والحماية. كان هذا الباب وما يزال يحمل اسم "الباب إنشال" وهو اسم مؤلف من كلمتين عربية وبربرية ويعنى "مدخل البلدة" أو "باب البلد" ويقع هذا الباب على الجانب الشمالي من البوابة المطوقة للبلدة  غير بعيد عن المسجد القديم ويفضي – عبر شارع ضيق صاعد لأعلى التل - إلى داخل البلدة. 


وبعد قرن من  ذلك الحدث، تم تشييد باب آخر، سمى باسم "الباب عترات" أو "الباب الجديد"وفتح في الجهة الجنوبية من سور البلدة المطوق لها قرب معصرة الزيوت. 


كان هذا الباب الجديد مفيدا لأولئك الذين يريدون تجنب المرور أمام "الأجواد" أي شيوخ العائلات الذين كانوا يعقدون اجتماعهم اليومي أمام "الباب انشال".  


وقد قدم هذا الباب الجديد أيضا ميزة دفاعية حين كانت البلدة تتعرض لهجوم أو تهديد من قبل الغرباء أخذا في الاعتبار أن هذا الباب لم يكن معروفا سوى لسكان البلدة الأصلية.  


ومع نمو عدد سكان "شالي" استزرع كثير منهم المزيد من الحدائق، وكان عليه الذهاب والمجىء مرارا. وكان من عاداتهم منع المرأة مغادرة سور البلدة لتعيش طيلة حياتها في الداخل فقط ولا تغادر الأسوار.


ولكن بعد قرن من التأسيس قرروا فتح باب ثالث في السور، ومنحت فيه المرأة حق الخروج والدخول من هذا الباب دون سواه.  


بهذه الطريقة تجنبت المرأة المرور أمام الباب الرئيس الذي يجتمع أمامه الأجواد من رؤساء العائلات ومعهم رجال البلدة. كما وفر لهن هذا الباب إعفاء من المرور من الباب الثاني القريب من معصرة الزيوت التي عادة ما كان يتسكع عندها كثير من الرجال. 

وسمي هذا الباب المخصص للنساء باسم "باب قدومة" نسبة إلى بيت عائلة أمام هذا الباب.


كانت شوارع البلدة القديمة ضيقة للغاية في تلك الأثناء بما لا يسمح بمرور أكثر من حمار يحمل حمولة، وإذا تقابل حماران مصادفة فإن أحدهما لا بد أن يعود أدراجه أو يدخل أحد البيوت.


بمرور القرون، زاد عدد سكان سيوة ، وكان لزاما على كل عائلة أن تبني طابقا جديدا فوق الطابق الأصلي للبيت لمواجهة زيادة عدد أفرادها. 

لم يسمح الأجواد لأي فرد بأن يبني بيته خارج الأسوار. كانت جدران البيوت مبنية من "الكرشيف" أي من الطين المأخوذ من تربة مشبعة بالأملاح من بحيرات الواحة التي انحسرت عنها المياه، يصبح طين الكرشيف بعد جفافه قويا مثل الأسمنت. 

 

وباستخدام هذا الكرشيف ارتفع بعض البيوت لأكثر من سبع أو ثمان طوابق داخل السور الذي يطوق البلدة. 


كانت نقطة الضعف الأساسية في استخدام الكرشيف هي حقيقة أنه يتعرض لتدهور كبير إذا سقطت الأمطار لفترة طويلة. 

عبر التاريخ كانت الأمطار نادرا ما تسقط في سيوة. ويحدث ذلك عادة في بعض زخات مطر صغيرة ولفترة زمنية قصيرة للغاية. وقد تمر سنوات طويلة دون أن يسقط مطر غزير. لكن حين تسقط الأمطار عادة ما تسبب أضرارا بليغة نظرا لذوبان أملاح الكرشيف. 


ولقد تهدم كثير من البيوت بسبب ذوبان ملح الكرشيف على نحو ما حدث في أكثر أيام سقوط المطر في سيوة كما في 28 ديسمبر 1930، وكما حدث في يناير من عام 1970 حين كانت هناك أمطار غزيرة استمرت عدة أيام. 


ظلت سيوة حبيسة أسوار "شالي" حتى عام 1926 حين سمح مجلس الأجواد للأهالي ببناء مساكن خارج الأسوار . في تلك الأثناء لاحظ "موسى بوباش" عمدة سيوة  أنه من الأفضل صحيا اتباع إرشادات جديدة لبناء البيوت خارج السور طلبا للضوء والهواء النقي. 


هنا فقط، وبداية من هذا التاريخ، بدأت سيوة تخرج من قلعتها التاريخية وتترك "شالي" إلى ما هو أوسع خارج السور.


وفي كل حال، في الماضي والحاضر، يلزم على الجميع المرور أمام "الباب انشال"..... أو "باب البلد".

author-img
كوكب المنى

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent