U3F1ZWV6ZTIxMzgzNDc4MzQ4X0FjdGl2YXRpb24yNDIyNDUzMDg1MTg=
recent
جديد الموضوعات

منهج البحث التاريخي - د. حسن عثمان.pdf



منهج البحث التاريخي - د. حسن عثمان.pdf


لقد تساءلنا مرارا عن جدوى التاريخ في حياتنا. فيقال أنه مجرد أساطير الأولين، و ما هو إلا حكايات قد تكون حقيقية أو تحمل في طياتها الكثير من المبالغة. تعالوا لنتعرف سويا بإيجاز عن مفهوم التاريخ، و هل هو علما حقيقيا أم مجرد أساطير.

الجزء الأول: دراسة التاريخ
المبحث الأول:  ما معنى التاريخ؟
التاريخ : هو لفظ قد يعتبره البعض بأنه يشتمل على معلومات عن نشأة الكون كله و تواريخ الحضارات المختلفة منذ نشأتها حتى العصر الحديث مثل كتاب "موجز تاريخ العالم " للمؤرخ ه.ح.ولز (المؤرخ الروائي الإنجليزي إلا أنه يؤخذ عليه التسرع في أحكامه ).
المعنى الثاني:  هو بحث و استقصاء حوادث الماضي. فنرى لفظ (historia)المستمد من الأصل اليوناني القديم، و هو يعنى كل ما يتعلق بالإنسان منذ وجود آثاره على الصخر.
المعنى الثالث: كلمة "التاريخ" في اللغة العربية تعنى "التأريخ" و "التوريخ" يعنى الإعلام بالوقت الحادثة و ما تلتحق بها الزمن.
المبحث الثاني: متى ظهر التاريخ؟
ظهر حينما أخذ الإنسان البدائي يقص على أبنائه قصص أسلافه ممتزجة بأساطيره و معتقداته، إذ بدأ الإحساس بالتاريخ. و قد ظهر التعبير عن التاريخ مختلطا بعناصر من الفن مثل الرسم و النقش على الحجر.
و تطور التاريخ بتطور الزمان فهو المرآه التي يقدم لنا ألوانا من الأحداث فهو مرآه المجتمع من شتى نواحي الحياة الاقتصادية الاجتماعية السياسية الفنية.
المبحث الثالث: الهدف من التاريخ:
لا يستطيع الإنسان أن يفهم نفسه و حاضره بدون أن يفهم ماضيه، فمعرفة الماضي تكسبه خبرة و نضجا و تبعده عن أنانية ذاته مما يكسبه المواجهة مع حاضره و صنع مستقبله.
المبحث الرابع: هل التاريخ علما؟
في مطلع القرن الحالي اختلف بعض رجال العلم و التاريخ و الأدب في وصف التاريخ بصفة العلم أو نفيها.
 فقد قال "و.س.جيفونز" (رجل من رجال الاقتصاد و المنطق) أن التاريخ لا يمكن أن يكون علما لأنه يعجز عن إخضاع الوقائع التاريخية تحت مجهر المعاينة و المشاهدة و الاختبار و التجربة و بذلك لا يمكن استخلاص قوانين علمية يقينية مثل علم الكيمياء.
لكن المؤرخ الإنجليزي "هرنشو" قال: فبرغم أننا لا يمكن أن نستخلص قوانين علمية، فهذا لا يجيز نفى صفة العلم. كيف ذلك؟
يتم إسناد صفة العلم إلى موضوع معين، و يمضى الباحث في دراسته مع توخى الحذر في الوصول إلى الحقائق، مع البعد عن هوى نفسه و عدم التسليم بمصداقية الافتراضات السابقة.
المبحث الخامس: صفات المؤرخ:
يجب أن يكون محبا للعلم صبورا لا تمنعه صعوبة البحث و ندرة المصادر و غموض الوقائع التاريخية. ينبغي أن يكون أمينا مخلصا فلا يكذب في نقل الحقائق و لا ينافق أصحاب السلطة ، و أن يكون بعيدا عن حب الشهرة و الظهور.
و لا بد أن تتوفر ملكة النقد فلا يصدق كل وثيقة أو مصدر بدون الفحص العميق. و من أهم الصفات أيضا عدم التحيز فعليه أن يحرر نفسه من أهواء الميل أو الإعجاب أو كراهية لعصر ما أو زعيما ما (مثلما الحال في أوطاننا العربية).

الجزء الثاني:
ما بعد دراسة التاريخ، هل هناك علوم مساعدة ؟ و كيف أقدم بحثا علميا؟
المبحث الأول: العلوم المساعدة.

أولا: اللغة:
هي من أهم العلوم المساعدة ، فلابد من قراءة المصدر الأصلي باللغة الأصلية الخاصة بالموضوع لأن الترجمة لا تعين المؤرخ على فهم الجيد للموضوع.
و كلما تعددت معرفة اللغات القديمة و الحديثة كلما اتسع أفق الباحث و أصبح قادرا على تناول البحث بشكل أفضل.
فالفيلولوجيا "فقه اللغة" كلما بعد العصر الذى هو موضوع البحث كلما ازدادت أهمية الفيلولوجيا. فاللغة كائن حي ينمو و يتطور و قد يحمل لفظا ما معان كثيرة لابد من إلمام بها.
ثانيا: علم قراءة الخطوط (paleography):
على رغم من وجود أنواع مختلفة من الخطوط الشرقية إلا أنها تظل كالطلاسم حتى يتعلمها الباحث و يتدرب على قراءتها. فدراسة هذه الخطوط تحفظ له الوقت و تجنبه الوقوع في الخطأ.
و لها فروعا عديدة مثل تاريخ مصر القديم و تاريخ اليونان و تاريخ الرومان و تاريخ العصور الوسطى و تاريخ الأوروبي الحديث حتى جزء من القرن السابع عشر و تاريخ الشرق الأدنى حتى القرن التاسع عشر.
و مثال على أهمية معرفة الخطوط، فكلنا يعلم أن اللغة العثمانية تكتب بالحروف العربية و لها خطين (خط الديواني و خط القيرمه)لذلك تصير معلوماتنا عن العصر العثماني قاصرة ناقصة حتى يوجد من يتعلم خط القيرمه و هو خط من خطوط الخاصة بالشئون الادارية و المالية العثمانية.
ثالثا: علم الوثائق:
و الوثائق هي الكتابات الرسمية أو شبه الرسمية مثل الأوامر و القرارات و المعاهدات و المراسلات السياسية و الكتابات التي تتناول الاقتصاد أو المشروعات أو المقترحات التي تصدر عن المسئولين في الدولة أو المذكرات الشخصية أو اليوميات.
فلابد من دارس التاريخ أن يتعلم الأسلوب و المصطلحات الخاصة بوثائق العصر الذى يعنيه. فلابد أن يعرف نوع المداد المستعمل في الكتابة، الأقلام التي كتب بها، أنواع الورق المستعمل و خصائصه. و تستعمل بعض الوسائل العلمية لفحص الخط و الحبر و الورق و طريقة كتابته لبعض الحروف عن طريق العدسات المكبرة الخاصة. و بواسطة المجهر و التحليل الكيميائي يمكن معرفة عمر الورق. و بالاستعانة ببعض أنواع الأشعة الحمراء و البنفسجية يمكن إظهار الخطوط المطموسة أو المغيرة عمدا.
رابعا: الأختام:
ذات أنواع و أشكال مختلفة. و قد شاع استخدام أختام الشمع قديما، و استخدم البابوات و الملوك و الأمراء أختام معدنية و خاصة من الرصاص . أما الأشكال فمنها المستدير، و البيضى، و المثلث.
خامسا: علم الرنوك:
و هو العلامات المميزة التي تظهر على الأختام أو الدروع أو على ملابس النبلاء أو الجند أو على الأعلام. و لقد استخدمها الشرق الإسلامي مثل السلاجقة و الأيوبيون و المماليك و العثمانيون للدلالة على وظائف أرباب السيف، و من هذه العلامات نجد الكأس و السيف و النسر و الهلال و الصليب.
سادسا: علم النقود و المسكوكات:
فالعملة بما تحمله من صور الآلهة و صور الملوك و الأمراء و أسمائهم و ذكرى الحوادث التاريخية و سنوات ضربها تقدم للباحثين مادة تاريخية قيمة بالنسبة للتاريخ القديم و تاريخ العصور الوسطى في الشرق و الغرب و تقدم العلاقات السياسية التجارية بين الدول مثل انتشار العملة العربية في شمال غربي أوروبا ، و كذلك العملات الإيطالية في المشرق.
سابعا: الجغرافيا:
فالأرض هي المسرح الذى حدثت عليه وقائع تاريخية، فهي التي أوجدت المصاعب و العقبات الطبيعية  أمام الانسان .
فالظواهر الجغرافية ذات أثر كبير في الإنسان و بالتالي في التاريخ، فهي تؤثر في شكل الإنسان من لون بشرته و عينيه، و تؤثر في لغته، و في فكره و فلسفته، و في مدنه و قراه، وفى حربه و سلامه.
فهل نعلم أن البحر أعاق تقدم "تيمورلنك" عن العبور إلى أوروبا بعد أن هزم "بايزيد الأول" في موقعة أنقرة في سنة 1402 و بذلك لم يتمكن من القضاء على الدولة العثمانية.
ثامنا: الاقتصاد:
فالعوامل الاقتصادية ذات أثر هام في سير التاريخ. و مثال ذلك: ثراء المماليك و البنادقة و قوتهم في العصور الوسطى من مرور التجارة العالمية بأراضيهم إلا أن تحول طريق التجارة العالمية إلى طريق رأس الرجاء الصالح هو بداية تدهورهم و انتهاء عصرهم.
تاسعا: الأدب:
فالأدب وثيق الصلة بالتاريخ، فهو يعبر عن نواحي المختلفة من حياة الشعوب. و مثالنا ذلك: عندما تريد دراسة تاريخ المصري القديم فلابد أن تتوقف عند الأدب المصري و تتعرف على ملامحه لتفهم عقليتهم و عاداتهم و معيشتهم.
عاشرا: فنون الرسم و التصوير و النحت و العمارة و الموسيقى:
كل ذلك يساعد على فهم التاريخ، فالفنون مرآة المجتمع. فعندما تريد أن تقرأ في تاريخ عصر النهضة في إيطاليا لابد أن تتعرف على تطور الفنون التشكيلية و فنانيها.
و كذلك عندما تريد أن تتكلم عن الكنائس (الكاتدرائية) في العصور الوسطى لابد من التطرق ناحية فن العمارة القوطية في فرنسا في أثناء القرنين الثاني عشر و الثالث عشر . فهي تعبر عن ميلاد حضارة جديدة  و التخلص من النظام الإقطاعي القديم.
أما الموسيقى فنجد الألحان الشعبية ذات النغمة الواحدة "المونوفونية" المتأثرة بألحان شعوب المشرق حتى الهند، إنما هي وسيلة من وسائل التأثير المتبادل بين تراثي الشرق و الغرب.
الحادي عشر: قراءة مختارات من بعض آثار المؤرخين السابقين مثل هيرودوت و الطبري و ابن خلدون :
و أخيرا القراءة ثم القراءة ثم القراءة، فالقراءة أولا في تاريخ العالم عامة ثم القراءة عن عصر أو ناحية التي يرغب في تناولها خاصة. و عليه أن يتعرف على الطرق المختلفة التي اتبعها المؤرخون في كتاباتهم من المميزات و العيوب.

ثانيا: اختيار موضوع البحث
فالطالب الجامعي غير طالب الدراسات العليا. فالأول مجرد تدريب أما الآخر فهي بداية طريق له في بحور العلم المختلفة.
فالباحث عليه اختيار موضوع البحث، إذ عليه أن يقوم ببحث أصيل مبتكر و يكشف عن حقائق تاريخية جديدة. فلا يكون البحث بناء على الرغبة فحسب ، إنما بناء على ما يجب أن يبحث. لذا يقال إن الباحث لا يختار الموضوع التاريخي، لكن الموضوع التاريخي هو الذى يختار الباحث. فعلى الباحث أن يذهب إلى المناطق الجديدة غير المعتادة قد تكون مجهولة و عليه أن يفكر فيما يقدمه.
ليس من الضروري تحديد عنوان الموضوع من أول الأمر، و إنما يكفى تحديد العصر و النواحي التي تصلح موضوعا للبحث في نطاق معين.
و على الباحث أن يحدد بصفة تقريبية الزمن الذى سيخصصه لبحث موضوعه. و تحديد الوقت التقريبي مرتبط بتحديد الموضوع. فينبغي ألا يختار موضوعا طويلا، لذا عليه تحديد مسألة محددة يمكنه من إنجاز بحثه في وقت مناسب و تكون أفكاره مترابطة مع استخلاص نتائج جديدة و بأسلوب علمي.
و قبل أن يستقر على اختيار موضوع معين عليه أن يسأل: هل الموضوع الذى فكر فيه الباحث يحتاج إلى أن يبحث؟ ألم يبحث من قبل بحثا علميا؟ هل يستطيع أن يكشف عن أصول تاريخية جديدة تبرر إعادة بحثه من جديد؟
أما عن العلاقة بين الباحث و بين الأستاذ المشرف على رسالته فهي قائمة على التقدير المتبادل.
هناك ملحوظة : بأن من يتناول الأحداث الجارية فهو لا يعد من التاريخ، بل يكون من باب التأمل أو إبداء الرأي.
و على الباحث أن يعرف المراجع العامة و الخاصة التي تتعلق بالموضوع ، و لذلك يسترشد بفن كتب المراجع "البيليوجرافيا". و للآسف لقد سبقنا الغرب في مراحل البحث العلمي من نشر الفهارس، و وضع كتب المراجع "البيليوجرافيات" المتنوعة، و جمع الأصول التاريخية ،و تصنيف المؤلفات حسب عصرها و تقسيمها ما بين تاريخ الملوك و الحكام و الأفراد البارزين، و الشعوب.
و لكى نواكب التطور البحث العلمي علينا أن نطبع الفهارس الخاصة بدور الكتب و دور المحفوظات في مصر بالطرق العلمية الحديثة. و قد تم إصدار المجلة السنوية الناتجة عن الجمعية المصرية للدراسات التاريخية منذ سنة 1948.
ثالثا: جمع الأصول و المراجع
فالمراجع تفيد في إعطاء الباحث فكرة عامة عن العصر الذى يكون موضوع البحث جزءا منه. و من الضرورى أن يبدأ الباحث بالإفادة بما كتبه السابقون و الاستعانة بالمراجع التي اعتمدوا عليها، فعليه أن يبدأ من حيث انتهوا.
على الباحث أن يتتبع الفكرة الواحدة في بعض الكتب الجيدة و الرديئة حتى يستطيع أن يقارن بين أوجه الضعف و أوجه القوة. و تساعده في تحديد المسائل الجديرة بالإيضاح.
كيف يمكن أن يعرف المراجع العامة و الأصول المطبوعة؟
أولا: عليه أن يستعين بالاطلاع على المقالات الواردة في دوائر المعارف فيعرف بعض المراجع و الأصول المطبوعة التي تخص موضوعه.
ثانيا: عليه أن يرجع إلى كتب المراجع "البيليوجرافيات" التي تتناول موضوعه. و لقد أصدر الغرب أنواع مختلفة من كتب المراجع ، فمنها العام و منها الخاصة بعصر أو شخصية معينة. و هي هامة لأنها تمدنا بالمراجع و المصادر و أماكن و سنى طبعها و عدد صفحاتها.
ثالثا: مراجعة فهارس دور الكتب المطبوعة و غير المطبوعة إلا أن قد يشوبها بعض القصور، و ذلك حيث يتم وضع أرقام مجلدات الوثائق مع بيان الشهور والسنوات التي تتناولها دون أن تصف مضمون محتوياتها.
رابعا: و بعد جمع أسماء المراجع و الأصول، عليه بعمل فهرس أبجدي لمراجعه و أصوله التاريخية على جزازات من الكرتون "الفيش" أو في صفحات الورق و يدون ملاحظاته.
خامسا: البحث عن الوثائق و الأصول التاريخية و التي تشمل المعاهدات و المراسلات السياسية أو المذكرات و التي عادة تحفظ عند الحكام أو الزعماء أو رجال السياسة أو بعض رجال الدين.
ليس من الضروري أن تجد الوثائق وافية عن كل حوادث التاريخ ، إذ إنها قد تنطمس آثار كثير منها و تزول دلالاته بتعرضها للظروف التلف أو الضياع مثل الثورات و الحرائق. و النتيجة نجد فجوات في مجرى التاريخ، و حيث لا توجد الوثائق ينعدم وجود التاريخ. و قد يلجأ بعض الباحثين إلى روايات الشفهية غير أنها قابلة للتحريف و التغيير.
سادسا: على الباحث أن يدون النقط الثابتة  و المسائل المستجدة التي يداخله الشك في شأنها  و النقط المجهولة لديه.
سابعا: على الباحث أن يأخذ من المراجع المعلومات التي يحتاجها بلغتها الأصلية أو بالترجمة وبالتلخيص مع بيان أرقام المجلدات في دور الكتب و الصفحات التي ينقل عنها في هوامش أوراقه الجانبية حتى يمكن أن يرجع إليها إن اقتضى الامر.
ثامنا: عليه أن يفهم محتويات ما ينقله و يستوعبها أولا بأول.
تاسعا: الرسوم و الصور ذات أهمية بالغة في البحث فهي من وسائل توضيحية مثل الأزياء أو الآثار التي تحدثها الحروب و ثورات الطبيعة.
عاشرا: على الباحث أن يشاهد بنفسه آثار العصر الذى يدرسه، فيزور المعابد و المباني التي تتعلق بموضوع بحثه.
رابعا: نقد الأصول التاريخية:
و لكى نتعرف على حوادث التاريخ، هناك طريقين:
أولا: طريق مباشر: بملاحظة الحوادث أثناء وقوعها
ثانيا: طريق غير مباشر: بدراسة الآثار التي خلفتها هذه الحوادث
فالمعلومات عن حادث الزلزال مثلا يمكن معرفته عن طريق مباشر من بعض شهود العيان، أو بطريق غير مباشر بملاحظة آثار التدمير، أو بطريق الرواية و السماع.
فحوادث التاريخ تعرف بصفة أساسية عن طريق غير مباشر بدراسة آثار الإنسان المتنوعة التي تحفظ من الضياع. إذن آثار الإنسان هي نقطة البداية و الحقيقة التاريخية هي الهدف التي يتوخى المؤرخ الوصول إليه.
و عن طريق دراسة الأصول التاريخية و تحليلها جيدا بأسلوب ناقد هي من أهم المراحل في طريقة البحث.
فقيمة الآثار الكتابية  هي واحدة من عمليات سيكولوجية معقدة صعبة التفسير. و للوصول من الأصول التاريخية المكتوبة، علينا أن نتعقب العوامل التي أدت إلى كتابة تلك الفترة، و ذلك باستخدام نوعا من الخيال إلى ظروف التي أحاطت بكاتب الأصل التاريخي منذ أن شهد الوقائع  و جمع معلوماته عنها إلى أن دونها.
فينبغي على المؤرخ أن يلاحظ قبل البدء في نقد الأصل التاريخي المكتوب " هل الأصل في نفس الحالة التي كان عليها من قبل؟ " فينبغي على المؤرخ أن يلاحظ قبل البدء في نقد الأصل التاريخي المكتوب " هل الأصل في نفس الحالة التي كان عليها من قبل؟ "و النقد أساسه الحذر و الشك في معلومات الأصل التاريخي ثم دراسته و فهمه و استخلاص الحقائق من بين سطور.
و أول مرحلة من مراحل النقد هي إثبات صحتها لأنه إذا كان الأصل مزيفا أو منتحلا فلا يمكن الاعتماد عليه.
و مثال ذلك:
الملكة مارى أنطوانيت و هي من الشخصيات التي دست عليها رسائل لم تكتبها، و تم نشر مجموعات من رسائلها التي تحتوى على الصحيح و المزيف. و لقد نشرت رسالة جديدة بتاريخ 20 يونيو سنة 1789 تبين أن الملكة اعتقدت أن أفضل سياسة يتبعها زوجها الملك لويس السادس عشر هي الانضمام إلى الشعب ، فهل كانت الرسالة صحيحة أم مزيفة؟
و بالدراسة المقارنة وجد أن الملكة ذات ميول ضد الشعب مما يعد شكا في صحة الرسالة ، وفى ذات الوقت هناك رأى مخالف بأن الملكة لجأت إلى كتابة الرسالة إنقاذا لموقف الملكية في البلاد.
و هكذا لا يصل المؤرخ أحيانا إلى رأى قاطع في صحة بعض الأصول التاريخية.

خامسا: نقد الأصول (تعيين شخصية المؤلف و تحديد زمان التدوين و مكانه)
و بعد أن تأكدنا من صحة المصدر التاريخي لابد من معرفة الآتي:
-       اسم المؤلف
-       التدوين من حيث الزمن و المكان
-       ما العلاقة ما بين شخصية المؤلف بالحادثة؟ هل شهدها بنفسه أم سمعها و نقلها عن الغير ؟
و هل مر وقتا طويلا ما بين الحادثة و التدوين و خاصة أن الذاكرة تخون الإنسان. فقد ينقص من قيمة الوثيقة بعد الزمن بين وقوع الحادث و بين تدوين أخباره.
إن وضع اسم الشخص على أصل الوثيقة لا يعنى أنه هو كاتبه كله أو بعضه، فيمكن أن يكون الأصل التاريخي أكثر من مؤلف واحد. و يمكن للمؤرخ أن يتعرف على كاتب الأصل التاريخي المخطوط بدراسة نوع الورق و الخط و الحبر و اللغة و الأسلوب و المصطلحات الخاصة بتلك الفترة التاريخية.
ينبغي على الباحث أن يحدد أجزاء الأصل التي دونها الكاتب بناء على ما شهده بنفسه، و تعد أصلا من الطبقة الأولى. كما يستطيع أن يحدد أجزاء الأصل التي اعتمد الكاتب في تسجيلها على الغير، و لذا تعد أصلا من الطبقة الثانية.
إن بعض الوثائق و الأصول ليست سوى نقل جزئي أو كلى لوثائق  سابقة، سواء أكان القصد السرقة و ادعاء المعلومات لنفسه أم جمعها لآنها تقيده
سادسا: نقد الأصول (تحرى نصوص الأصول و تحديد العلاقة بينها)
كلنا يعلم أن الأصول إما خطية أو إما مطبوعة. و السؤال هنا: إذا كانت قد طبعت فهل طابقت مخطوطة المؤلف الأصلية ؟ أم دخل عليها بعض التحريف اللفظي أو النقصان أو الزيادة سواء أكان عن قصد أم عن غير قصد؟ ( لابد من أخذ الحيطة و الحذر)
و إذا وجدت أخطاء في النسخة المنقولة فلابد من التصحيح و ذلك بالرجوع إلى الأصل الأول  إن كان متاحا. إلا أننا لا نعدل الأصل الأول فيبقى كما هو بحروفه و أخطائه الخاصة به بدون تصحيح أو تعديل في النص تجنبا لما يمكن أن يغير من معنى النص، و إن كان يمكن أن يجرى التصويب في الحاشية.
و حتى الفترة القريبة كانت تطبع الأصول التاريخية دون مراعاة طرق النشر العلمية و ذلك للعجلة أو لتجنب المجهود.
و إذا وجدنا عدد من النسخ المنقولة التي قد تتشابه و قد تختلف فيما بينها. هنا لابد من البحث عن أقدم نسخة موجودة، و بالمقارنة بين النسخ المنقولة يكون أفضل، ترفق في الهامش الاختلافات التي توجد في النسخ المختلفة.
   سابعا: النقد الباطني الإيجابي
الغرض هو الوصول إلى الحقائق التاريخية من خلال الوثائق و الأصول التاريخية. فمن الضروري أن تحلل الوثيقة بمنتهى الدقة حتى يتم التأكد من صحة المعلومات. فالتحليل ضروري في نقد الأصول التاريخية.
                               و يتم الآتي:
1-              تحليل محتويات الأصل التاريخي بالنقد الباطني الإيجابي للتحقق من معنى الألفاظ و من قصد المؤلف فيما كتبه.
2-                  تحليل الظروف التي دون فيها الأصل التاريخي بالنقد الباطني السلبى لإثبات صحة المعلومات المدونة و التحليل يعنى إيضاح المعنى العام للوثيقة و مجمل محتوياته ثم تفصيلاته ثم وجهة نظر الكاتب و رأى الباحث فالنقد الباطني الإيجابي عبارة عن تحليل الأصل التاريخي من أجل تفسيره، و يمر بدورين:
أ‌-      تفسير ظاهر النص و تحديد المعنى الحرفي له (يقصد به عملية لغوية التي تشمل فهم دقائق اللغة و الإلمام بلغة العصر التاريخي الذى يرجع إليه النص)
ب ‌-   إدراك المعنى الحقيقي للنص و معرفة غرض المؤلف مما كتبه. (من حيث الأساليب و التراكيب غير الواضحة التي تحتوى على تشبيه أو مجاز أو كناية أو استعارة أو رمز)
و على الباحث أن يقرأ ما بين السطور خصوصا إذا كان للمؤلف أغراض أخرى أهم من أن يكون واضحا مفهوما، و هذا ينطبق على الكتب الدينية  أو على بعض الكتابات الأدبية.
و عندما يصل الباحث إلى المعنى الحقيقي للنص التاريخي، فإن عملية التفسير الإيجابي و التحليل تكون انتهت و ينتقل إلى مرحلة تالية.
ثامنا: النقد الباطني السلبى
هي عملية ضرورية لتصفية الحقائق و استعباد الزائف منها. فعلى الباحث أن يحمل قدرا من الشك في تناوله موضوعا ما، حتى يمكن الوصول إلى الأدلة التي تثبت صحة موضوعها.
و يؤدى إلى قاعدتين:
1-              الاثبات العلمي لأية حقيقة تاريخية، لا يمكن أن يتم عن طريق شهود  العيان فقط بل لابد من وجود أدلة.
2-              لا يجوز أن ينقد الأصل التاريخي كوحدة عامة، بل ينبغي أن تنقد جزئياته و تفصيلاته المختلفة، فنجد مثلا أن جملة واحدة قد تحتوى على عدة حوادث مرتبطة بعضها ببعض، و مثال ذلك عقد البيع الذى يقتضى البحث عن زمان و المكان و البائع و الشاري و موضوع البيع و الشراء و شروط البيع.
قد يظن الباحث إمكان الحكم على مؤلف الأصل التاريخي الذى لا يستطيع تمييز صدقه من كذبه بمجرد النظرة العاجلة اعتمادا على ما يسمى بطابع الصدق. و النتيجة يضل طريق البحث العلمي.
إن التعرف على شخصية المؤلف يدلنا على بعض الظروف التي كتب بها الأصل التاريخي، و معرفة عواطف المؤلف و عاداته و أهوائه و بيئته. كل ذلك يساعدنا في الكشف عن عوامل الكذب أو الخطأ أو الصدق.
و يقسم الأستاذ "شارل لانجلوا" مجموعتين من الأسئلة متعلقتان بمجموعتين من العمليات العقلية اللتين أدتا إلى كتابة الأصل التاريخي، و هما:
1-  التثبت من صدق المؤلف و عدالته و هل كذب أم لا. ( و ذلك طمعا في أن ينال فائدة شخصية. و لعل أشد أنواع الكذب هو ما احتوى على عنصر كبير من الحقيقة أو غرورا أو التحيز تجاه جماعة فكرية سياسية ما)
2-  التثبت من صدق المعلومات التي أوردها و مدى دقتها. ( و لعل رغبته في إرضاء الناس تفقد صفته كمؤرخ)
تاسعا: إثبات الحقائق التاريخية
و بعد الخروج من دائرة الاحتمال و الشك إلى دائرة اليقين، عليه أن يتابع الدرس و البحث للوصول إلى نتائج حاسمة. فعليه أن يبدأ بتقسيم النتائج التي وصل إليها عن طريق النقد  فيضع في كل قسم منها المعلومات الخاصة عن عصرا ما .
و في حالة تعارض الأصول و المصادر و تناقض الروايات بشأن حادث تاريخي معين، ينبغي أن يتم الآتى:
1-              عليه أن يستوثق بأنها تتعلق بنفس الحادث
2-              إذا كان تعارض المصادر حقيقيا ، فربما يكون بعضها صادقا و بعضها الآخر كاذبا فلابد من السعي إلى معرفة أي المصدرين أصح ، و إن تعذر الوصول إلى رأى محدد فيجب الاعتراف بذلك بدون ترجيح رأى على رأى آخر.
3-              الرأي النهائي ليس بغلبة العدد
4-              ينبغي على الباحث أن يحاول ترجيح جانبا ما بواسطة النقد التاريخي
اسم الملف:منهج البحث التاريخي - د. حسن عثمان.pdf
حجم الملف:8.24 MB

الاسمبريد إلكترونيرسالة