U3F1ZWV6ZTIxMzgzNDc4MzQ4X0FjdGl2YXRpb24yNDIyNDUzMDg1MTg=
recent
حصريات

الجيوبوليتيك شغف العصر وقاموسه

الجيوبوليتيك شغف العصر وقاموسه



 علي مكي

katehon - الشرق الأوسط -6 - 6 - 2016 - جريدة "السفير" 
جيوسياسة، صراع الهيمنة، القوى العالمية

    شكّل «علم» الجيوبوليتيك بالنسبة للغرب ما سُمّي شغف القرن العشرين. فقد بدأ بالظهور اعتباراً من منتصف القرن التاسع عشر متزامناً مع التقدم التكنولوجي والوفرة الاقتصادية، ما يسّر وسائل الهيمنة للدول الصناعية الكبرى على مختلف بقاع الكرة الأرضية. غير أن منظومة «الجيوبوليتيك» كانت قد لاحت بواكيرها على لسان نابوليون في عبارته الشهيرة: «كل دولة تمارس السياسة التي تناسب جغرافيتها». وقد ردّد العبارة ذاتها بسمارك العام 1870. هذه المنظومة تُعنى بقراءة أدوار اللاعبين واستنباط إستراتيجياتهم ومن ثم استشراف أهدافهم وخططهم التوسعية، لذلك فهي أقرب إلى أن تكون طريقة أكثر منها علماً. وبما أن الساحة العربية، على الأخص، تنوء حالياً بهذه الأهداف والخطط، فإننا سنعرض ـ بأشد الاختصار ـ لمدارس هذه المنظومة وتطورها انتهاء بالمشهد العالمي الحالي.

أولاً: المدرسة الألمانية

  مؤسسها السويدي KJELLEN الذي حدد هدف الجيوبوليتيك بدراسة نجاحات وإخفاقات الدول في سعيها للاستحواذ على القوة والسيطرة. أما الألماني RATZEL، الذي يتشارك مع السويدي الأصل أبوّة الجيوبوليتيك، فقد زار في نهاية القرن التاسع عشر الولايات المتحدة التي كانت دولة فتيّة، وأدرك مؤهلاتها الفريدة: قوى كامنة، وحدود مفتوحة على محيطين، ومساحات قارية، لكن على الأخص: فكرها الرائد. غير أن هذه الحصافة الألمانية لن تتكرّس إلا لخدمة ألمانيا التي تتمتع بثنائية وازنة: شعب عريق وأمة شابة توحدت العام 1871، لكن بجغرافيا لا تستوعب طموحها. وهكذا انبثقت نظرية راتزل: 1ـ التوسع الإقليمي للدول يترافق مع تطوّرها الثقافي. 2 ـ مساحتها تزداد مع قوة إيديولوجيتها واقتصادها. 3 ـ الحدود كائن عضوي مقترن بدينامية الدولة. 4 ـ تمارس الدولة التوسع المنطقي على حساب جاراتها والمكوّنات السياسية الصغيرة.

  وقد نشر راتزل هذه الأفكار في كتابه «الجغرافيا السياسية» العام 1897 وكأنه «نبوءة» التاريخ الألماني لهتلر المولود العام 1889. وكان المنظّر الألماني الثالث العسكري الألماني HAUSHOFER الذي أعطى الجيوبوليتيك كامل محتواه: 1 ـ الاكتفاء الاقتصادي. 2 ـ تجمع الدول ذات الثقافة الألمانية. 3 ـ اقتصار السيطرة على العالم ضمن أربع مناطق نفوذ: ألمانيا في أوروبا والشرق الأوسط، روسيا في آسيا، اليابان في الشرق الأقصى، والولايات المتحدة في أميركا. وقد تأسست هذه النظرية على خلفية استعمارية تؤمن «الفضاء الحيوي» للقوة الألمانية و»تتماهى مع قدر ألمانيا».

ثانياً: المدرسة الأنكلوساكسونية

   أوّل روّادها الجنرال الأميركي MAHAN. تنطلق نظريته من الواقع الجغرافي الفريد للولايات المتحدة ومن العِبر المستفادة من حرب الانفصال الأميركية بين الشمال والجنوب التي حسمها الحصار البحري، وترتكز على فكرة القوة البحرية SEA – POWER التي سيكون تأثيرها هائلاً على الفكر الإستراتيجي الأميركي: 1 ـ المحافظة على التطابق بين أميركا وأوروبا لاحتواء القوى البحرية الآسيوية، وقد شرعت الولايات المتحدة بضمّ أقاليم جزر الباسيفيك من دون إبطاء. 2ـ العمل على أن تكون الولايات المتحدة القوة الصناعية الأعظم في العالم لإنشاء أسطول بحري حديث بجهوزية دائمة. 3ـ أن تكون بريطانيا وبحريتها الشريك المميز لمراقبة جميع المحطات الإستراتيجية في العالم. 4 ـ حرمان ألمانيا من الخروج عن نطاقها كدولة أوروبية إقليمية. ووفقاً لماهان، فإن الهيمنة القارية ليست كافية لتأمين السيطرة العالمية: وحدها البحار هي ضمانة القوة.

  أما الجنرال البريطاني MACKINDER فهو مؤسس «علم» الجيوبوليتيك. وينطلق في ذلك من مبدأ يقضي بحصر المواجهة بين القوى البحرية والقارية، وذلك مقابل التنظير الألماني المبني على «القوة القارية الحيوية» للخروج من وطأة الحصار. ويركز ماك كايند على المزايا النوعية للقوى البريطانية المسيطرة على المواقع الشاطئية والبحرية حول العالم، وينطلق من مفهوم «المحور الجغرافي Pivot» كما يلي: 

1 ـ على سطح الكرة الأرضية هناك محور ثابت يتمثل في كتلة قارية ساحقة هي «أوراسيا» التي تتمفصل حولها استراتيجيات الدول المهيمنة. 

2 ـ «قلب» هذه الكتلة ـ روسيا ـ مؤهل لامتلاك قوة لا محدودة. 

3 ـ مزاياها الجغرافية تؤمن لها الحماية، لكنها محاصرة من الدول الشاطئية: أوروبا الغربية والشرق الأوسط وآسيا الجنوبية والشرق الأقصى (وهذا هو الحزام الداخلي)، وهي محاصرة كذلك بحزام آخر متمثل بالدول ـ الجزر التي هي بريطانيا واليابان، وأخيراً بحزام في العمق من جانب الولايات المتحدة التي تُحكم جهازية الحصار الكامل «لقلب العالم».

  وبصفته مفكراً استراتيجياً يحمل في أعماقه التخوف البريطاني التاريخي من القوى القارية المهيمنة، فقد أخرج المعادلة التالية: القوة التي تمسك بأوروبا الشرقية تمسك بقلب العالم، ومن يمسك بهذا القلب يسيطر على العالم، ومن هذه المعادلة ينطلق للتحذير من تقارب موسكو ـ برلين.

   والمنظّر الثالث في هذه المدرسة هو الأميركي SPYKMAN الصحافي المتفرّغ للجيوبوليتيك. وهو أعطى أهمية خاصة للجغرافيا «لأنها توفر أهلية ثقافية للدول». وهو يتوافق مع ماك كانيدر بإدامة سيطرة القوى البحرية، لكنه يخرج باستنتاجات مختلفة: 1) وحدة «قلب العالم» غير ثابتة تاريخياً. 2) محور العالم لا يتمثل في أوراسيا القارية بل على «أطرافها الشاطئية» التي تمثل مركز الاشتباك الدائم بين القوى القارية من جهة، وبين القوى البحرية التي تعمل لإحكام الطوق حوله.

   وتفضي النظرية الانكلوساكسونية إلى نتائج نورد بعضاً منها: فرنسا واقعة في مأزق تاريخي ناتج عن التدافع بين ألمانيا القارية وبريطانيا الجزيرة، وروسيا في سعي دائم للوصول إلى المياه الدافئة. وقد توفي سبايكمان العام 1943، لكن نظريته شكلت أساساً لاستراتيجية «الاحتواء» Containment التي لا تزال سارية المفعول منذ الحرب الباردة.

ثالثا: المدرسة الفرنسية

   يتمحور الجيوبوليتيك الفرنسي تاريخياً حول مفهومين متكاملين: الأول وهو الأرض كأقليم مكوّن للدولة، أما الثاني فهو أكثر عمقاً لأنه يتمثل في الوقائع الإنسانية التي تحتضنها هذه الأرض. ذلك ما عبّر عنه المؤسس Vidal de la Blache حين برّر ضم الالزاس واللورين إلى فرنسا قائلاً: إن الكائن الجغرافي لا يمكن أن يقتصر على المكوّن الطبيعي الحتمي، لأن الحيوية الإنسانية تضاعف نطاق الجيوبوليتيك ليشمل الروابط الوثيقة بين الحيّز الجغرافي وقاطنيه. من هنا يظهر الفارق الأساسي بين هذا المفهوم والمفهومين الألماني والانكلوساكسوني المرتكزين إلى مبدأين الفضاءات القارية وحتمية الجغرافيا. ولعل اصدق تعبير عن المفهوم الفرنسي هو التحليل ـ النبوءة الذي قدّمه المؤرخ الفرنسي J. Bainville العام 1919 للكيانات التاريخية الأوروبية permanences عرض فيه السياسات التي يمكن أن تلجأ إليها ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى وتوقيع معاهدة «فرساي». وقد تحققت النبوءة من خلال ما قامت به ألمانيا بين العامين 1920 و1939 من ضم النمسا وغزو تشيكوسلوفاكيا، ثم وقوع الحرب العالمية الثانية.

رابعاً: التطورات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية

  انحسرت هذه الحرب عن مشهد غير مسبوق: سيطرة الأيديولوجيا على العلاقات الدولية في إطار الثنائية الرأسمالية ـ الشيوعية، وظهور السلاح النووي محمولاً بالطيران البعيد المدى، ثم احتجاب القراءة الجيوبوليتيكية في ظل الحرب الباردة. لكن المواجهة الايديويولجية لم تلبث أن فرضت نفسها جرّاء تقسيم ألمانيا وكوريا خلافاً لحقائق التاريخ والجغرافيا. وقد شجّع ذلك الدول المنضوية تحت رايتي الثنائية العالمية على إضرام نار الأحقاد الاثنية والخلافات الإقليمية، ما أعاد لهذه القراءة وجاهتها للكيانات التاريخية ـ الإنسانية قواعدها الازلية. ثم بدأت الانشقاقات داخل المعسكر الشيوعي تذّر قرنها: الصين أولاً العام 1959، ثم هنغاريا والمجر وتشيكوسلوفاكيا. أما في المعسكر المقابل، فقد نشأت دينامية عكسية بمبادرة مستشار ألمانيا الغربية براندت للتواصل مع ألمانيا الشرقية نهاية ستينيات القرن العشرين، ما عاد عليه بجازة نوبل للسلام.

   وأما الحدث الأبرز فقد تمثل بالتدخل السوفياتي المباشر في أفغانستان العام 1979، وبالتدخل الأميركي شبه المباشر قبل ذلك بست سنوات بإرسال أربعمئة مستشار عسكري أميركي لمساعدة «المجاهدين» في تقويض الحكم الشيوعي في هذا البلد، ولا يخفى أن سبب هذا الصراع المتأجج يكمن في أن الطريق الأميركي إلى قلب العالم «أوراسيا» يمّر في قلب أفغانستان.

* لكن هذا المشهد العالمي لن يكتمل إلا بالإضاءة على المحاور الأساسية الثلاثة للنشاط الأميركي الدؤوب والحكم منذ الحرب الباردة للاستحواذ على الأحادية القطبية والاحتفاظ بها.

ـ المحور الأول: هو ما أشرنا إليه أعلاه والذي حقق أهدافه بانسحاب الاتحاد السوفياتي من أفغانستان العام 1989 وانهياره العام 1991.

ـ أما المحور الثاني: الذي كان ينشط بموازاة الأول، فقد هدف إلى تحضير المناخ الملائم لأميركا في إدارة أحادية للعالم وفقاً لتعليمات بريجنسكي، الذي يعتبر من اقدر المنظّرين الجيوستراتيجيين في العالم، وكان مستشاراً للرئيس جونسون من 1966ـ 1968، ومستشاراً للأمن القومي للرئيس كارتر من 1977 حتى 1981، وقد وضعت آراؤه موضع التنفيذ قبل أن ينشر كتابه «أحجار على رقعة الشطرنج» العام 1997، وعناوينها كما يلي: إعادة هيكلة العالم، إدارة بروز قوى جديدة، إدامة السيطرة الأميركية على العالم، منع أوروبا من أن تكون فاعلة، واحتواء الصين وروسيا. ونشير باختصار إلى أهم محطات هذا المحور المتعلّقة بسياق الأحداث في العالم العربي:

* اتفاق كامب دايفيد العام 1978 الذي أرّخ لإلغاء دور مصر وريادتها لهذا العالم.

* «اتفاق أوسلو» الذي بدأ التحضير له العام 1991 وتم توقيعه العام 1993، وهو لا يعيد أكثر من 17 في المئة من الأراضي الفلسطينية التي تبقى حبيسة المستعمرات الإسرائيلية.

* تحريض صدام حسين لغزو الكويت العام 1990 ثم الارتداد عليه بالغزو الأميركي للعراق العام نفسه، ثم الغزو الثاني العام 2003 الذي أرّخ أيضاً لإلغاء دور بلد عربي مركزي آخر.

* رعاية الحركات الإسلامية المتطرفة في باكستان وأفغانستان منذ منتصف السبعينيات للقرن المنصرم.

* بدء الاتصالات بتنظيم «الاخوان المسلمين» في تركيا ومصر وتونس وليبيا وسوريا منذ نهايات التسعينيات، التي لعبت دوراً رديفاً للجهاديين بعد عقد تقريباً.

ـ المحور الثالث: وهو يهدف إلى إدامة السيطرة الأميركية عن طريق «القوى الناعمة» التي أمسكت أميركا بزمامها باكراً. فمنذ منتصف العقد الأخير من القرن الماضي، ظهر ممثلون جدد على المسرح العالمي يكملون منظومة الهيمنة: «التكنولوجيا الرقمية وأجهزة الاتصالات والمراقبة والانترنت ووسائل الاعلام والمنظمات غير الحكومية والشركات المتعددة الجنسيات والمحكمة الجنائية الدولية والمحاكم الخاصة..»

* في نظرة إلى العالم العربي وما حلّ به على مدى الأربعين عاماً الماضية، خاصة في مراكزه الحضارية التاريخية الثلاثة: «وادي النيل» و «أرض الرافدين» و»بلاد الشام»، ماذا حدث؟ خرجت الأولى والثانية من الدور والتاريخ، والثالثة تقاوم هذا المصير.

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة